مع اقتراب الانتخابات التشريعية لسنة 2026، لم تعد المنافسة بين الأحزاب والمرشحين تقتصر على التجمعات والخطابات والملصقات الانتخابية، بل انتقلت بقوة إلى الهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي وقواعد البيانات، وهو تحول جعل حماية المعطيات الشخصية للمواطنين جزءا أساسيا من ضمان نزاهة العملية الانتخابية.
وفي هذا السياق، وضعت اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي عشر قواعد لتأطير استعمال البيانات الشخصية خلال الاستحقاقات الانتخابية، في رسالة واضحة إلى الأحزاب والمرشحين ومختلف المتدخلين في الحملات بأن السباق نحو أصوات الناخبين لا يمنح الحق في استعمال معلوماتهم خارج الضوابط القانونية.
وتضع هذه القواعد حدا فاصلا بين التواصل السياسي المشروع والاستغلال غير القانوني للبيانات، خصوصا عندما يتعلق الأمر بأرقام الهواتف والعناوين الإلكترونية ومعلومات الاتصال أو البيانات التي يمكن أن تكشف عن التوجهات والآراء السياسية للمواطنين.
فامتلاك حزب أو مرشح لرقم هاتف مواطن لا يعني تلقائيا امتلاك الحق في إغراقه بالرسائل الانتخابية، كما أن الحصول على قاعدة بيانات لغرض معين لا يسمح بإعادة توظيفها في حملة سياسية دون احترام الغاية التي جمعت من أجلها وشروط المعالجة التي يحددها القانون.
وتزداد حساسية الموضوع عندما يتعلق الأمر بالآراء السياسية، باعتبارها من المعطيات الحساسة التي تستوجب حماية خاصة. فالناخب ليس مجرد اسم ورقم هاتف داخل ملف إلكتروني، وتوجهه السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى معلومة قابلة للبيع أو التداول أو الاستغلال في عمليات الاستهداف الانتخابي.
ومن أبرز التحديات التي تفرض نفسها خلال انتخابات 2026 دخول الذكاء الاصطناعي بقوة إلى صناعة المحتوى السياسي، بعدما أصبح بالإمكان إنتاج صور وأصوات ومقاطع فيديو شديدة الواقعية خلال دقائق، وهو ما يرفع مخاطر التضليل والتلاعب بصورة المرشحين أو صناعة تصريحات لم تصدر عن أصحابها.
ولهذا يكتسب التنبيه إلى المحتويات المنتجة بواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعي أهمية خاصة، لأن حق المواطن في معرفة طبيعة المحتوى الذي يشاهده أصبح جزءا من حقه في الحصول على معلومة سياسية واضحة وغير مضللة.
كما تمتد مسؤولية حماية البيانات إلى الشركات والوكالات ومقدمي الخدمات الرقمية الذين تستعين بهم الأحزاب والمرشحون لإدارة حملاتهم. فالاستعانة بطرف خارجي لا تعفي المسؤول عن المعالجة من الالتزامات القانونية، ولا ينبغي أن تتحول الحملات الرقمية إلى باب تتسرب عبره قواعد بيانات المواطنين إلى جهات أخرى.
وتطرح المسألة كذلك سؤال مصدر البيانات. فإذا تلقى مواطن رسالة انتخابية من مرشح لم يسبق له التعامل معه، فمن حقه أن يتساءل: من أين حصل على رقمي؟ ومن سمح له باستعماله؟ وهل توجد قاعدة بيانات يتم تداولها بين جهات سياسية أو تجارية؟
هذه الأسئلة لم تعد تفصيلا تقنيا، لأن البيانات أصبحت واحدة من أقوى أدوات الحملات الانتخابية الحديثة. فمن يعرف عمر الناخب ومكان إقامته واهتماماته وسلوكه الرقمي وربما توجهاته السياسية، يستطيع تصميم خطاب خاص به والتأثير عليه بطريقة أكثر دقة من أي ملصق انتخابي تقليدي.
وهنا تظهر أهمية القواعد التي وضعتها الـCNDP، ليس باعتبارها مجرد إجراءات إدارية إضافية أمام الأحزاب، وإنما كجزء من حماية حرية الاختيار نفسها.
فالانتخابات الحرة لا تعني فقط أن يدخل المواطن إلى مكتب التصويت ويختار دون ضغط، بل تعني أيضا ألا تتم مراقبته رقميا أو تصنيفه سياسيا أو استهدافه اعتمادا على معطيات حصل عليها طرف ما دون علمه أو موافقته.
ومع اقتراب موعد الاقتراع، ستكون المسؤولية مشتركة بين الأحزاب والمرشحين والمؤسسات والفاعلين الرقميين. فالمعركة الانتخابية يمكن أن تكون قوية وحادة، لكن بيانات المواطن يجب أن تبقى خارج منطق الاستباحة السياسية.
لقد أصبحت المعلومة قوة، وأصبحت قاعدة البيانات رأسمالا انتخابيا حقيقيا. ولذلك فإن الرهان في تشريعيات 2026 لن يكون فقط على من يقنع أكبر عدد من الناخبين، بل أيضا على قدرة المؤسسات على ضمان أن يتم هذا الإقناع داخل حدود القانون.
وفي زمن الذكاء الاصطناعي والخوارزميات والاستهداف الدقيق، قد يصبح السؤال الأكثر أهمية ليس فقط: لمن سيصوت المواطن؟ بل أيضا: من يعرف ماذا عن هذا المواطن، وكيف حصل على تلك المعلومات، وماذا يفعل بها؟
المصدر: اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي (CNDP).



