مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2026، تبرز أهمية التواصل والتحسيس كأحد المداخل الأساسية لتعزيز مشاركة المواطنين في العملية الانتخابية، خصوصا في ظل التحولات التي يعرفها المشهد السياسي وتزايد النقاش المجتمعي حول دور الناخب في اختيار المؤسسات المنتخبة وربط المشاركة السياسية بالمسؤولية والمحاسبة.
وتقوم الحملة الإعلامية التحسيسية على تقريب المواطن من العملية الانتخابية بلغة واضحة ومباشرة، وتشجيعه على ممارسة حقه الانتخابي باعتباره فعلا مواطنا يتجاوز مجرد وضع ورقة داخل صندوق الاقتراع، ليصبح مساهمة فعلية في تحديد طبيعة المؤسسات والمنتخبين الذين سيتولون تدبير الشأن العام خلال المرحلة المقبلة.
وتحمل الرسائل التواصلية للحملة بعدا واضحا يقوم على التأكيد أن صوت المواطن له قيمة وأن الاختيار الانتخابي مسؤولية، وهي رسالة تكتسي أهمية خاصة في مواجهة العزوف وفقدان الثقة الذي يمكن أن يدفع جزءا من الناخبين، وخصوصا الشباب، إلى الابتعاد عن صناديق الاقتراع.
وتأتي أهمية الحملة أيضا من ضرورة تعزيز الوعي بأن الانتخابات ليست شأنا يخص الأحزاب والمرشحين وحدهم، وإنما محطة تخص المجتمع بأكمله، لأن نتائجها تنعكس بصورة مباشرة على تدبير المدن والجماعات والجهات وعلى السياسات العمومية والخدمات التي تمس الحياة اليومية للمواطنين.
وفي هذا السياق، يمكن للإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي أن يلعبا دورا محوريا في إيصال الرسائل التحسيسية إلى فئات واسعة من المجتمع، بعدما أصبحت الهواتف الذكية والمنصات الرقمية المصدر الرئيسي للمعلومة لدى شريحة كبيرة من الشباب. وهو ما يجعل الكابسولات القصيرة والمحتويات البصرية والفيديوهات المبسطة أدوات قادرة على تقريب المفاهيم الانتخابية من المواطن بطريقة أكثر سرعة وفعالية.
غير أن نجاح أي حملة تحسيسية لا يقاس فقط بعدد الإعلانات أو المشاهدات، وإنما بقدرتها على تحويل الرسالة الإعلامية إلى وعي وسلوك. فالمشاركة الواعية تعني أن يختار المواطن بناء على البرامج والكفاءة والنزاهة والقدرة على تحمل المسؤولية، بعيدا عن العلاقات الشخصية أو المصالح الآنية أو أي محاولة للتأثير غير المشروع على إرادته.
ومن هنا تبرز كذلك أهمية جعل محاربة استعمال المال لاستمالة الناخبين جزءا أساسيا من الخطاب التحسيسي. فصوت المواطن ليس سلعة للبيع، وأي ممارسة تحول العملية الانتخابية إلى سوق للمساومات تضرب جوهر الاختيار الديمقراطي وتفتح الطريق أمام وصول أشخاص قد ينظرون إلى المسؤولية المنتخبة باعتبارها استثمارا لاسترجاع ما أنفقوه بدل اعتبارها تكليفا لخدمة الصالح العام.
كما تطرح انتخابات 2026 تحديا خاصا يتعلق بالشباب، سواء الذين سيشاركون للمرة الأولى أو الذين اختاروا سابقا الابتعاد عن الانتخابات. والوصول إلى هؤلاء يتطلب خطابا جديدا لا يقوم على الوعظ، بل على تفسير العلاقة المباشرة بين التصويت وبين القرارات التي تؤثر في التعليم والتشغيل والنقل والسكن والصحة والاستثمار ومستقبل المدن والقرى.
إن الرهان الحقيقي للحملة الإعلامية المرتبطة بالاستحقاقات المقبلة يجب أن يكون بناء مواطن يعرف حقوقه وواجباته، ويدرك قيمة صوته، ويميز بين البرنامج الانتخابي والشعار، وبين المرشح الذي يقدم التزامات قابلة للمحاسبة ومن يبحث فقط عن الوصول إلى المقعد.
وفي النهاية، تبقى الإدارة مطالبة بضمان شروط النزاهة والشفافية وتكافؤ الفرص، وتبقى الأحزاب مطالبة بتقديم نخب وبرامج تستحق ثقة المواطنين، فيما تبقى الكلمة الأخيرة للناخب. وبين هذه المسؤوليات الثلاث يمكن أن تكتسب الحملة التحسيسية معناها الحقيقي: انتخابات يكون فيها المواطن حاضرا بوعي، ويكون فيها الصوت اختيارا حرا ومسؤولا، لأن المؤسسات القوية تبدأ في النهاية من مواطن يعرف قيمة صوته.
حجم الخط
+
-
2 دقائق للقراءة



