حجم الخط + -
5 دقائق للقراءة

بقلم : الحسين حنين رئيس الغرفة المغربية لمنتجي الأفلام


لا يمكن الحديث عن صناعة سينمائية وطنية متكاملة من دون وضع توزيع الأفلام في قلب السياسات العمومية الموجهة للقطاع. فمهما ارتفع عدد الأفلام المنتجة، ومهما تحسنت شروط التصوير والإنتاج، تظل القيمة الحقيقية للفيلم رهينة بقدرته على الوصول إلى الجمهور، داخل المغرب وخارجه. ومن هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من منطق يركز بصورة أساسية على دعم إنتاج الفيلم إلى تصور أشمل يعتبر التوزيع مرحلة أساسية في الدورة الاقتصادية والثقافية للعمل السينمائي.

إن الفيلم الذي يحصل على الدعم العمومي ثم لا يجد طريقه إلى القاعات السينمائية وإلى مختلف جهات المملكة، أو يبقى محدود الحضور خارج الحدود الوطنية، لا يحقق كامل الأهداف المرجوة من سياسة الدعم. ولذلك، فإن تطوير السينما المغربية يقتضي إرساء منظومة متكاملة تجمع بين الدعم المباشر للتوزيع والدعم غير المباشر لشركات التوزيع المنخرطة في صناعة الفيلم منذ مراحله الأولى، مع استحضار التحولات القانونية الجديدة التي أعادت الاعتبار لوظيفة الموزع داخل السلسلة السينمائية.

دعم مباشر مقابل التزام واضح بالوصول إلى الجمهور

يمكن أن يقوم المحور الأول لهذه السياسة على إحداث دعم مباشر لشركات توزيع الأفلام المغربية، وفق دفتر تحملات دقيق يربط الاستفادة من المال العام بالتزامات واضحة وقابلة للقياس.

ويتعين أن يلزم دفتر التحملات الشركة المستفيدة بوضع وتنفيذ خطة حقيقية لتوزيع الفيلم المغربي لا تقتصر على عدد محدود من القاعات في المدن الكبرى، بل تشمل مختلف جهات المملكة، بما يكرس مبدأ العدالة المجالية في الولوج إلى الثقافة والسينما.

كما يجب أن يمتد التزام شركة التوزيع إلى القارة الإفريقية، باعتبارها فضاء طبيعيا واستراتيجيا للسينما المغربية، وإلى بلدان إقامة الجالية المغربية بالخارج، حيث يشكل المغاربة المقيمون بالخارج جمهورا أساسيا للفيلم الوطني وجسرا نحو أسواق جديدة.

وبذلك يصبح الدعم المباشر أداة لخلق سوق حقيقية للفيلم، بدل أن يكون مجرد مساعدة مالية معزولة عن النتائج.

8 في المائة من تكلفة الإنتاج لفائدة التوزيع

أما المحور الثاني، فيتعلق بإقرار صيغة للدعم غير المباشر، من خلال تخصيص نسبة في حدود 8 في المائة من تكلفة إنتاج الفيلم لفائدة شركة التوزيع، شريطة ألا تكون هذه الشركة مجرد متدخل يلتحق بالفيلم بعد اكتماله، وإنما شريكا حقيقيا في المشروع منذ مرحلة التطوير.

إن إشراك الموزع في صناعة الفيلم منذ البداية يمكن أن يحدث تحولا عميقا في طريقة بناء المشاريع السينمائية. فالموزع، بحكم معرفته بالسوق وبالجمهور وبآليات الاستغلال التجاري والترويج، يستطيع أن يساهم منذ مرحلة التطوير في التفكير في الجمهور المستهدف، وخطة التسويق، وآفاق التوزيع الوطني والدولي.

ويمكن أن تغطي نسبة الـ8 في المائة مختلف النفقات المرتبطة بالترويج والتوزيع، من إعداد المواد الإشهارية والملصقات والإعلانات، إلى تنظيم العروض الأولى، والتواصل الإعلامي والرقمي، وتهيئة نسخ العرض والترجمة، وصولا إلى التفاوض مع القاعات والأسواق الدولية.

غير أن الاستفادة من هذه النسبة ينبغي أن تكون مرتبطة بعقد توزيع واضح وبالتزامات دقيقة، حتى لا تتحول إلى زيادة شكلية في ميزانية الفيلم، بل إلى استثمار حقيقي في وصوله إلى الجمهور.

الترسانة القانونية الجديدة.. الموزع في قلب الدورة السينمائية

وتكتسب مسألة دعم التوزيع أهمية أكبر في ظل الترسانة القانونية الجديدة المنظمة للصناعة السينمائية، وفي مقدمتها القانون رقم 18.23 المتعلق بالصناعة السينمائية وبإعادة تنظيم المركز السينمائي المغربي، والذي كرس الفصل بين وظائف الإنتاج والتوزيع والاستغلال، وعزز موقع شركة التوزيع باعتبارها حلقة مهنية مستقلة في دورة حياة الفيلم.

ومن أبرز نتائج هذا التحول أن شركة الإنتاج السينمائي لم يعد بإمكانها أن تتولى تلقائيا توزيع الفيلم الذي أنتجته، إذ أصبح التوزيع نشاطا مهنيا قائما بذاته، تمارسه شركة مؤهلة وحاصلة على الترخيص اللازم.

وهذا التحول لا يمثل مجرد فصل إداري بين نشاطين، بل يعكس توجها نحو تنظيم أكثر احترافية للقطاع، يجعل الموزع طرفا أساسيا في انتقال الفيلم من مرحلة الإنتاج إلى الاستغلال التجاري.

ومن هنا يطرح سؤال جوهري: إذا كانت المنظومة القانونية الجديدة قد عززت وظيفة الموزع ومنحتها استقلالية أكبر، فهل يمكن أن تستمر منظومة الدعم في التركيز أساسا على الإنتاج دون توفير آليات موازية لدعم التوزيع؟

إن المنطق يقتضي أن يواكب الإصلاح القانوني إصلاح مماثل في منظومة الدعم، وأن يقابل الفصل القانوني بين الإنتاج والتوزيع تكامل اقتصادي ومهني بينهما: منتج مسؤول عن صناعة الفيلم، وموزع مسؤول عن صناعة جمهوره وضمان حياته التجارية والثقافية.

البعد الإفريقي.. السينما امتداد للرؤية الاستراتيجية للمملكة

ويكتسي دعم توزيع الفيلم المغربي في القارة الإفريقية بعدا يتجاوز الاعتبارات التجارية، بالنظر إلى المكانة المركزية التي تحتلها إفريقيا في التوجه الاستراتيجي للمملكة، وهو ما أكد عليه صاحب الجلالة الملك محمد السادس في عدد من الخطب والرسائل الملكية التي جعلت من التعاون جنوب–جنوب والشراكة الإفريقية خيارا ثابتا للمغرب.

ومن هذا المنطلق، ينبغي أن تصبح إفريقيا إحدى الوجهات الأساسية في سياسة دعم توزيع الفيلم المغربي، ليس باعتبارها مجرد سوق إضافية، بل باعتبارها فضاء ثقافيا وحضاريا مشتركا يمكن للسينما أن تساهم من خلاله في توطيد روابط المغرب بعمقه الإفريقي.

ويمكن ترجمة هذا التوجه عبر إلزام شركات التوزيع المستفيدة من الدعم بتقديم خطة إفريقية تشمل الأسواق والمهرجانات والقاعات المستهدفة، وتشجيع الشراكات مع الموزعين الأفارقة، وتوفير الترجمة والعنونة والمواد الترويجية المناسبة لكل سوق.

وبذلك تصبح السينما أداة إضافية من أدوات الدبلوماسية الثقافية المغربية، ويصبح توزيع الفيلم الوطني في إفريقيا امتدادا عمليا للرؤية الملكية القائمة على التقارب بين الشعوب، والتعاون المشترك، وبناء فضاء إفريقي أكثر اندماجا وتواصلا.

من المهرجان إلى السوق.. التوزيع الثقافي والدولي للفيلم المغربي

ولا ينبغي اختزال مفهوم التوزيع في الاستغلال التجاري داخل القاعات فقط. فهناك بعد آخر بالغ الأهمية يتمثل في توزيع الفيلم المغربي داخل المهرجانات والتظاهرات السينمائية في المغرب والخارج.

فالمهرجانات تشكل جزءا أساسيا من حياة الفيلم، ليس فقط باعتبارها فضاءات للعرض، وإنما أيضا باعتبارها منصات للترويج والتسويق وبناء السمعة المهنية للعمل السينمائي.

وتحتاج الأفلام المغربية إلى استراتيجية منظمة لمواكبة مشاركتها في المهرجانات، تبدأ بتحديد التظاهرات المناسبة لكل فيلم، وإعداد الملفات والمواد الترويجية والترجمات اللازمة، ثم متابعة عمليات التسجيل والتواصل مع المبرمجين والموزعين الدوليين.

وينبغي أن يتحول الحضور في المهرجانات، خصوصا الإفريقية والدولية، من مجرد مشاركة رمزية إلى بوابة فعلية نحو التوزيع والأسواق الجديدة، عبر ربط المهرجان بالموزعين ووكلاء المبيعات والقاعات والمنصات.

من دعم صناعة الفيلم إلى دعم صناعة الجمهور

إن إحدى الإشكالات التي تواجه السينما المغربية تكمن في استثمار موارد مهمة في صناعة الفيلم، مقابل إمكانات محدودة لتسويقه والوصول به إلى المشاهد. والنتيجة أن أفلاما مهمة قد تنجز فنيا وتقنيا، لكنها لا تحظى بالحياة التجارية والثقافية التي تستحقها.

لذلك ينبغي أن يتطور تصور الدعم العمومي من دعم إنتاج الأفلام إلى دعم دورة حياة الفيلم كاملة: من التطوير والإنتاج، مرورا بالترويج والتوزيع، وصولا إلى العرض والاستغلال داخل المغرب وخارجه.

فدعم التوزيع ليس دعما لفائدة شركة تجارية فحسب، وإنما هو في جوهره دعم للفيلم المغربي وللمنتج وللقاعات السينمائية وللجمهور في الوقت نفسه.

كما أن تقوية شركات التوزيع الوطنية ستساهم في ظهور فاعلين متخصصين قادرين على قراءة السوق وتطوير استراتيجيات تسويق حديثة، ومرافقة الفيلم المغربي في الأسواق الوطنية والإفريقية والدولية.

الدعم مقابل النتائج

وحتى تنجح هذه المنظومة، يتعين أن تخضع لمبدأ أساسي هو ربط الدعم بالنتائج والالتزامات.

فالدعم المباشر ينبغي أن يقابله حد أدنى من العروض داخل جهات المملكة، وخطة للتوزيع الإفريقي، وبرنامج موجه إلى بلدان إقامة الجالية المغربية، إلى جانب استراتيجية واضحة للحضور في المهرجانات والتظاهرات السينمائية.

أما نسبة الـ8 في المائة المخصصة للتوزيع، فيجب صرفها بناء على برنامج عمل وعقد توزيع فعلي، مع تقديم حصيلة دقيقة حول عمليات الترويج والعروض والمداخيل والأسواق التي وصل إليها الفيلم.

ومن الممكن اعتماد مؤشرات واضحة لقياس أثر هذا الدعم، من بينها عدد القاعات والجهات والبلدان التي وصل إليها الفيلم، وحجم الجمهور، والمشاركة في المهرجانات والأسواق، والعقود التجارية المبرمة داخل المغرب وخارجه.

فالرهان الحقيقي لم يعد فقط هو عدد الأفلام التي ينتجها المغرب كل سنة، وإنما عدد المشاهدين الذين تصل إليهم هذه الأفلام، وعدد الأسواق التي تدخلها، وقدرتها على بناء حضور مستدام داخل المغرب وإفريقيا وخارجها.

لقد حان الوقت لكي يصبح السؤال، بعد تمويل إنتاج الفيلم: كيف سيصل هذا الفيلم إلى جمهوره؟

إن الإجابة تمر عبر سياسة متكاملة لدعم التوزيع، تجمع بين الدعم المباشر المشروط بدفتر تحملات، وتخصيص نسبة من تكلفة الإنتاج لشركة توزيع منخرطة في المشروع منذ مرحلة التطوير، واستراتيجية قوية لتوزيع الفيلم في جهات المملكة وإفريقيا وبلدان إقامة الجالية المغربية، إلى جانب استثمار المهرجانات والتظاهرات السينمائية كأدوات فعلية للتسويق والوصول إلى الأسواق.

عندها فقط يمكن الانتقال من سياسة دعم إنتاج الأفلام إلى سياسة تستهدف صناعة الفيلم وصناعة جمهوره معا، وتؤسس لقطاع سينمائي مغربي متكامل وقادر على المنافسة والإشعاع.