حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

تعد جهة درعة تافيلالت واحدة من أكثر الجهات المغربية تميزاً من حيث التنوع الجغرافي والطبيعي والثقافي، فهي تجمع بين جبال الأطلس والواحات والسهوب والمجالات الصحراوية، وتمتد على مساحة شاسعة تجعلها منطقة استراتيجية في الخريطة الترابية والاقتصادية للمملكة.
وتتخذ الجهة من مدينة الراشيدية عاصمة لها، وتضم أقاليم الراشيدية وورزازات وميدلت وتنغير وزاكورة، وهي أقاليم تتميز بتنوع كبير في مواردها ومؤهلاتها، ما يمنح درعة تافيلالت إمكانات مهمة لبناء نموذج تنموي يقوم على التكامل بين الفلاحة والسياحة والصناعة السينمائية والمناجم والطاقة المتجددة والاقتصاد الاجتماعي والتضامني.
ويشكل القطاع الفلاحي أحد أعمدة الاقتصاد المحلي، خصوصاً من خلال سلاسل إنتاج التمور والتفاح والزيتون واللوز والورد العطري والزعفران والعسل وغيرها من المنتجات المجالية التي ارتبطت بهوية المنطقة وأصبحت تحظى بمكانة متزايدة في الأسواق الوطنية.
غير أن الرهان لم يعد مقتصراً على زيادة الإنتاج، بل أصبح مرتبطاً بتثمينه محلياً من خلال التصنيع والتحويل والتوضيب والتخزين والتسويق، بما يسمح بخلق قيمة مضافة أكبر داخل الجهة ويوفر فرص عمل للشباب والنساء، خصوصاً في المناطق القروية والواحاتية.
وتمثل الواحات بدورها ثروة اقتصادية وبيئية وتراثية لا تقدر بثمن. فمن واحات تافيلالت إلى وادي درعة، تشكل هذه المجالات جزءاً أساسياً من تاريخ المنطقة ومن نمط عيش سكانها، لكنها تواجه تحديات متزايدة مرتبطة بندرة المياه والجفاف والتغيرات المناخية وتراجع بعض الأنشطة الزراعية التقليدية.
ومن هنا تبرز ضرورة جعل حماية الواحات وتدبير الموارد المائية في صلب السياسات التنموية، لأن الماء بالنسبة إلى درعة تافيلالت ليس مجرد خدمة أساسية، بل عنصر حاسم لاستمرار النشاط الاقتصادي واستقرار السكان وحماية منظومة بيئية تشكلت عبر قرون.
وتتوفر الجهة كذلك على مؤهلات سياحية استثنائية، تجمع بين السياحة الصحراوية والواحاتية والجبلية والثقافية. فمرزوكة والكثبان الرملية ومضايق تودغى ووادي درعة والقصور والقصبات والمواقع التاريخية تمنح المنطقة قدرة كبيرة على استقطاب السياح المغاربة والأجانب.
ويضاف إلى ذلك الرصيد السينمائي الذي تتمتع به ورزازات، التي رسخت على مدى سنوات مكانتها كواحدة من أبرز الوجهات المغربية والدولية لتصوير الأفلام والإنتاجات التلفزيونية، مستفيدة من تنوع المواقع الطبيعية ووجود استوديوهات وخبرات مهنية وتقنية تراكمت عبر عقود.
ويتيح هذا الرصيد فرصة للانتقال من استقبال عمليات التصوير إلى بناء صناعة سينمائية متكاملة، تشمل الاستوديوهات والتكوين والتقنيات الحديثة والديكور والمؤثرات البصرية وما بعد الإنتاج والخدمات اللوجستية، بما يجعل السينما قطاعاً اقتصادياً قادراً على توفير فرص عمل مستدامة وليس نشاطاً موسمياً فقط.
كما تمتلك درعة تافيلالت إمكانات مهمة في مجال الطاقة المتجددة، خصوصاً الطاقة الشمسية، بالنظر إلى موقعها الجغرافي ومستويات الإشعاع الشمسي المرتفعة والمساحات المتاحة، إلى جانب مؤهلاتها في قطاع المناجم.
وتبقى المهمة الأساسية خلال السنوات المقبلة هي تحويل هذه الثروات إلى قيمة اقتصادية يستفيد منها السكان، وربط الاستثمار بالتشغيل، وتشجيع المقاولات المحلية والصغرى والمتوسطة، وتسهيل ولوج الشباب إلى التمويل والتكوين والمواكبة.
إن درعة تافيلالت ليست منطقة تفتقر إلى الموارد، بل جهة تمتلك ثروة طبيعية وثقافية وبشرية كبيرة. والتحدي الحقيقي يكمن في حسن استثمار هذه المؤهلات وتحويل الواحة والصحراء والجبل والسينما والفلاحة والطاقة إلى محركات متكاملة للتنمية وخلق الثروة وفرص الشغل.