يفتح وصول الرئيس الكولومبي الجديد أبيلاردو دي لا إسبرييلا إلى السلطة مرحلة سياسية جديدة في كولومبيا، قد تحمل معها تحولات على مستوى السياسة الخارجية لبوغوتا، بما في ذلك مستقبل علاقاتها مع المغرب وإمكانية إعطائها دفعة جديدة خلال السنوات المقبلة.
وتولى دي لا إسبرييلا رسمياً رئاسة كولومبيا، أمس الجمعة 7 غشت 2026، لولاية تمتد إلى سنة 2030، خلفاً للرئيس غوستافو بيترو، بعدما حسم الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية التي جرت في 21 يونيو الماضي أمام منافسه إيفان سيبيدا. (AP News)
تحول سياسي في بوغوتا
يمثل الرئيس الجديد توجهاً سياسياً مختلفاً بشكل واضح عن الإدارة السابقة، إذ خاض حملته على أساس تعزيز الأمن، وتشجيع اقتصاد السوق، واستقطاب الاستثمارات، وإعادة ترتيب عدد من أولويات السياسة الداخلية والخارجية للبلاد.
ويأتي هذا التحول في وقت تسعى فيه كولومبيا إلى إعادة تحديد موقعها داخل أمريكا اللاتينية وعلى الساحة الدولية، خاصة في ظل التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجهها البلاد. وقد أعلن دي لا إسبرييلا بالفعل عن توجهات جديدة في عدد من ملفات السياسة الخارجية، ما يعزز التوقعات بإعادة تقييم شبكة الشراكات الدولية لبوغوتا. (AP News)
المغرب أمام فرصة دبلوماسية جديدة
بالنسبة إلى المغرب، يمكن أن يشكل التغيير السياسي في كولومبيا فرصة لتعزيز الحضور الدبلوماسي والاقتصادي للمملكة في أمريكا اللاتينية، خصوصاً أن الرباط عملت خلال السنوات الأخيرة على توسيع شبكة شراكاتها مع دول المنطقة وتنويع مجالات التعاون جنوب–جنوب.
وقد تفتح الإدارة الكولومبية الجديدة المجال أمام دينامية مختلفة في العلاقات الثنائية، ترتكز على المصالح المشتركة والتعاون الاقتصادي والاستثماري والتجاري، فضلاً عن قطاعات الفلاحة والأسمدة والطاقات المتجددة والسياحة والصناعات الغذائية والتكنولوجيا.
ويتمتع المغرب، من جانبه، بموقع استراتيجي يمكن أن يجعل منه بوابة للشركات والاستثمارات الكولومبية نحو القارة الإفريقية، في حين تمثل كولومبيا سوقاً مهمة ومنصة محتملة لتعزيز حضور المقاولات المغربية في أمريكا اللاتينية.
قضية الصحراء المغربية في قلب الاهتمام
غير أن أحد أبرز الملفات التي ستخضع للمتابعة خلال المرحلة المقبلة يتعلق بموقف الإدارة الكولومبية الجديدة من قضية الصحراء المغربية.
فالتغيير السياسي في بوغوتا قد يفتح المجال أمام مراجعة عدد من توجهات السياسة الخارجية التي تبنتها الإدارة السابقة، في إطار رؤية جديدة للعلاقات مع المغرب.
ومن شأن تعزيز الحوار السياسي بين الرباط وبوغوتا أن يوفر فرصة لعرض التطورات التي شهدها ملف الصحراء المغربية، ولا سيما الدينامية الدولية المتزايدة المرتبطة بمبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب باعتبارها أساساً للتوصل إلى حل سياسي للنزاع.
ومع ذلك، فإن أي تحول رسمي في الموقف الكولومبي يظل مرتبطاً بالقرارات التي ستتخذها الإدارة الجديدة، ولذلك سيكون من السابق لأوانه الجزم باتجاهها قبل صدور مواقف دبلوماسية رسمية من بوغوتا.
الاقتصاد بوابة محتملة للتقارب
وبعيداً عن الملفات السياسية، تبدو العلاقات الاقتصادية من المجالات الأكثر قابلية للتطور بين البلدين.
فالمغرب راكم خبرة مهمة في قطاعات الأسمدة والفلاحة والطاقات النظيفة والصناعة والبنيات التحتية والخدمات المالية، بينما تتمتع كولومبيا بإمكانات كبيرة في مجالات الفلاحة والطاقة والمعادن والصناعات الغذائية.
ويمكن للبلدين العمل على تشجيع الاستثمارات المتبادلة، وتنظيم منتديات لرجال الأعمال، وتطوير المبادلات التجارية وربط الفاعلين الاقتصاديين المغاربة بنظرائهم الكولومبيين.
كما يمكن للمغرب أن يقدم نفسه شريكاً استراتيجياً لكولومبيا في القارة الإفريقية، مستفيداً من شبكة علاقاته الاقتصادية والدبلوماسية الواسعة ومن بنياته اللوجستية والمينائية والجوية.
مرحلة جديدة تحتاج إلى مبادرات عملية
وصول أبيلاردو دي لا إسبرييلا إلى الرئاسة لا يعني تلقائياً حدوث تحول فوري في العلاقات المغربية–الكولومبية، لكنه يوفر نافذة سياسية جديدة أمام الدبلوماسية المغربية لتطوير الحوار مع بوغوتا وبناء شراكة تقوم على المصالح المتبادلة.
وفي حال ترجمة التوجهات الجديدة للإدارة الكولومبية إلى سياسة خارجية أكثر انفتاحاً على المغرب، فإن السنوات المقبلة قد تشهد انتقال العلاقات بين البلدين إلى مستوى أكثر تقدماً، سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادي.
وبين الرباط وبوغوتا توجد اليوم فرص متعددة يمكن البناء عليها، فيما ستكون الأشهر الأولى من ولاية الرئيس الجديد حاسمة في الكشف عن الاتجاه الذي ستسلكه كولومبيا في علاقاتها مع المملكة وفي عدد من القضايا الإقليمية والدولية.



