يقدم الباحث السوسيولوجي سعيد بنيس في كتابه الجديد “نْيُوتَمَغْرِبِيتْ… من المواطنة الواقعية إلى المواطنة الافتراضية” مقاربة تحليلية للتحولات التي فرضها الفضاء الرقمي على تمثلات الهوية المغربية وأنماط الانتماء والمواطنة، في ظل صعود ما يسميه بـ”المواطنة الافتراضية” باعتبارها شكلا جديدا للعيش المشترك داخل البيئة الرقمية.
ويقع الكتاب في 237 صفحة من الحجم المتوسط، ويتوزع على أربعة فصول تتناول بنية المجتمع الافتراضي، والمقاربات البحثية المرتبطة بدراسته، والتحول من “تَمَغْرِبِيتْ” إلى “نْيُوتَمَغْرِبِيتْ”، إضافة إلى تحليل التمظهرات القيمية للمواطنة الافتراضية المغربية.
وينطلق المؤلف من فرضية تعتبر أن الفضاء الرقمي أفرز نوعا من الانتماء المفتوح والانسجام الكوني، يمتد إلى دوائر متعددة تشمل إفريقيا والمغرب الكبير والشرق الأوسط والفضاءين المتوسطي والأطلسي، لكنه في المقابل ساهم أيضا في إعادة إنتاج أشكال جديدة من التمركز الهوياتي والانتصار الرمزي للشخصية المغربية داخل العالم الافتراضي.
ويرى الكتاب أن الفضاء الرقمي المغربي لم يعد مجرد وسيلة للتواصل أو تبادل المعلومات، بل تحول إلى ساحة للتأثير في الرأي العام وصناعة النقاش العمومي، حيث أصبحت المعلومة، حتى وإن كانت مضللة أو مفبركة، أداة لصناعة الحدث وخلق “البوز”، ضمن صناعة اتصالية تحكمها سرعة التداول ومنطق التفاعل والانتشار.
وفي هذا السياق، يدعو سعيد بنيس إلى بناء فضاء رقمي مغربي قائم على الانفتاح والتسامح والحق في المعلومة، من خلال ترسيخ “نحن افتراضية” جامعة، بعيدا عن الهويات المغلقة وخطابات التشنج، بما يسمح بتكريس مواطنة افتراضية قادرة على التفاعل مع تحولات العولمة وصعود المحليات الرقمية.
كما يتوقف الكتاب عند التحولات القيمية والاجتماعية التي أفرزها العالم الافتراضي، من خلال بروز هويات جديدة دينية وإثنية وجنسية وترابية، تتأرجح بين قيم التضامن والانفتاح من جهة، ومظاهر الكراهية والعنف والأكزنوفوبيا والسلوكات الغرائبية من جهة ثانية، معتبرا أن هذه التحولات تعكس أزمة داخل مؤسسات التنشئة التقليدية، من الأسرة والمدرسة إلى الإعلام والأحزاب السياسية.
ويحذر المؤلف من تحول الفضاء الرقمي إلى قوة قادرة على إعادة تشكيل الوعي الجماعي للمجتمعات، خاصة مع التوسع المتزايد لاستخدامات الذكاء الاصطناعي، الذي بات، بحسب الكتاب، ينتج “حقيقة بالتفويض” تؤثر في تشكيل الرأي العام وفي بناء المواطنة الافتراضية.
كما يناقش الكتاب ملامح الممارسة السياسية الجديدة داخل الفضاء الرقمي، حيث أصبح الأفراد والمجموعات الافتراضية يتجاوزون وساطة الأحزاب والتنظيمات التقليدية، عبر أدوات رقمية قائمة على التفاعل السريع والتعبئة الجماعية، من قبيل “بارطاجي” و”شارك” و”فضح” و”شوه”، باعتبارها وسائل جديدة للتأثير والترافع حول القضايا الثقافية والسياسية والحقوقية.
ويخلص كتاب “نْيُوتَمَغْرِبِيتْ” إلى أن سؤال التنمية والتواصل داخل المجتمع المغربي بات مرتبطا بآليات جديدة تمزج بين الواقعي والافتراضي، داعيا إلى بلورة نموذج وطني يستوعب التحولات الرقمية ويؤسس لمواطنة مغربية حديثة، قوامها التعدد والتنوع والوحدة في آن واحد.



