لم يعد المشهد البنكي في المغرب كما كان قبل سنوات قليلة. في ظرف أربع سنوات فقط، تحوّل استراتيجي عميق يعيد ترتيب موازين القوة داخل قطاع ظل لعقود مرتبطًا بقوة بالحضور الفرنسي. اليوم، ومع توالي عمليات التفويت، يبرز فاعلون مغاربة برؤية جديدة وطموح واضح: بناء أقطاب مالية وطنية قوية وقادرة على المنافسة.
البداية كانت سنة 2022، حين قرر Crédit Agricole مغادرة السوق المغربية، مفوّتًا Crédit du Maroc لمجموعة بنصالح، في خطوة شكلت أول مؤشر على تحوّل استراتيجي أوسع. بعدها بسنتين، وفي 2024، اختارت Société Générale نفس المسار، ببيع فرعها المغربي SGMB لرجل الأعمال مولاي حفيظ العلمي في صفقة بلغت 745 مليون يورو، مؤكدة أن الأمر لم يعد مجرد قرار معزول، بل توجّه عام.
أما المحطة الثالثة، التي تؤكد هذا التحول، فجاءت مع نهاية أبريل، حيث يبرز اسم BMCI في قلب معادلة جديدة تعكس طموحًا أكبر: ليس فقط الاستحواذ، بل إعادة هيكلة القطاع عبر خلق تكتلات بنكية متكاملة.
في هذا السياق، تبدو استراتيجية عائلة بنصالح واضحة المعالم. فبعد الاستحواذ على Crédit du Maroc، تتجه الأنظار نحو مشروع دمج بنكي طموح، يهدف إلى خلق مؤسسة مالية تجمع بين التكامل التشغيلي والقوة التمويلية. بنك يعتمد على شبكة قوية، خبرة محلية، وقرب أكبر من الفاعلين الاقتصاديين، سواء كانوا مقاولات كبرى أو نسيج المقاولات الصغرى والمتوسطة.
هذا التحول لا يمكن قراءته فقط من زاوية الانسحاب الفرنسي، بل يجب فهمه كمرحلة انتقالية نحو “تمغربت” القطاع البنكي، حيث تنتقل مراكز القرار تدريجيًا إلى الداخل، بما يعزز السيادة المالية ويمنح الاقتصاد الوطني مرونة أكبر في مواجهة التحولات العالمية.
من الناحية التجارية، يفتح هذا الواقع الجديد آفاقًا واعدة. فالبنوك المغربية الصاعدة ستكون مطالبة بابتكار عروض تمويلية أكثر تنافسية، وتطوير خدمات رقمية تستجيب لتطلعات جيل جديد من الزبناء، إلى جانب تعزيز حضورها في إفريقيا، حيث تتسارع المنافسة على الأسواق الناشئة.
كما أن هذه الدينامية تخلق فرصًا مهمة للمستثمرين والمعلنين على حد سواء، في ظل حاجة هذه المؤسسات إلى ترسيخ علاماتها التجارية، وكسب ثقة السوق عبر استراتيجيات تواصل قوية ومحتوى إعلامي احترافي يبرز قوتها الجديدة.
في المحصلة، ما يحدث اليوم ليس مجرد إعادة توزيع للأسهم، بل إعادة صياغة لهوية القطاع البنكي المغربي. بين انسحاب البنوك الفرنسية وصعود الفاعلين الوطنيين، تتشكل ملامح مرحلة جديدة عنوانها: بنوك مغربية برؤية عالمية وطموح بلا حدود.



