حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

في مشهد كان يفترض أن يعكس جمال كرة القدم المغربية وقيمها النبيلة، تحولت مباراة الجيش الملكي والرجاء الرياضي داخل المركب الرياضي الأمير مولاي عبد الله إلى لحظة توتر جماعي أفرزت سلوكيات عنيفة لا تليق بتاريخ ولا بصورة الجمهور المغربي. ما وقع لم يكن مجرد انفلات عابر، بل مؤشر على خلل أعمق في علاقة فئة من الجماهير بثقافة التشجيع وحدودها.

كرة القدم في المغرب كانت دائما مجالا للتعبير عن الفرح والانتماء، لكنها في هذه الواقعة كشفت عن انزياح خطير حين تحولت المدرجات إلى فضاء لتفريغ احتقان نفسي واجتماعي. من منظور نفسي، يمكن فهم هذه السلوكيات في سياق ما يعرف بذوبان الفرد داخل الجماعة، حيث يفقد الإنسان جزءا من وعيه الفردي ويصبح أكثر قابلية للاندفاع خلف سلوك جماعي قد يكون مدمرا. كما أن المبالغة في الانتماء للنادي تخلق نوعا من التعصب الذي يحول المنافس إلى عدو، فيغيب منطق الرياضة وتحضر لغة الصراع.

هذا الانفجار لا ينفصل أيضا عن ضغوط يعيشها جزء من الشباب، حيث تتحول الملاعب إلى متنفس، لكن غياب التأطير يحول هذا المتنفس إلى مساحة للعنف. وهنا يطرح سؤال حقيقي حول دور مجموعات الألتراس التي كانت في الأصل إطارا لتنظيم التشجيع وإبداع لوحات فنية راقية، لكنها في بعض الحالات أصبحت عاجزة عن ضبط الإيقاع أو ربما ساهمت في تأجيج الحماس بشكل غير مسؤول. الإشكال ليس في وجود هذه المجموعات، بل في غياب تقنين واضح يحدد أدوارها ويجعلها شريكا في التأطير لا مصدرا للفوضى.

ما يزيد من خطورة ما حدث هو استهداف ممتلكات عمومية داخل مركب يعد من بين أفضل المنشآت الرياضية في المغرب، وهو في النهاية ملك لجميع المغاربة. حين يتم تخريب هذه الفضاءات، فإن الأمر يتجاوز مباراة كرة قدم ليصبح مساسا بصورة بلد يسعى إلى ترسيخ مكانته كوجهة رياضية عالمية. المغرب الذي يمتد من طنجة إلى الكويرة هو بلد قائم على قيم التآخي والترحاب، ولا يمكن أن تختزل صورته في مشاهد شغب داخل ملعب.

المطلوب اليوم ليس فقط ردع قانوني، رغم أهميته، بل إعادة بناء ثقافة رياضية تقوم على الوعي والانتماء الوطني. يجب أن تستعيد كرة القدم دورها كجسر يوحد المغاربة لا كسبب يفرقهم. كما أن الألتراس مدعوة إلى مراجعة دورها والعودة إلى جوهرها الإبداعي، لأن قوتها الحقيقية كانت دائما في الفن والتنظيم وليس في الصدام.

المغرب بلد له تاريخ عريق ورؤية يقودها محمد السادس نحو الاستقرار والتقدم، ومن واجب الجميع أن يكون في مستوى هذه المرحلة. كرة القدم ستبقى شغفا جماعيا، لكن هذا الشغف يجب أن يظل مؤطرا بقيم الاحترام والمسؤولية، حتى تبقى الملاعب فضاءات للفرح لا ساحات للتوتر .