حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

في ظل التسارع غير المسبوق لاعتماد تقنيات الذكاء الاصطناعي عبر مختلف القطاعات، يواجه سوق الشغل في المغرب مرحلة دقيقة تتقاطع فيها رهانات التحديث التكنولوجي مع مخاطر فقدان واسع لمناصب الشغل، ما يطرح تحديات حقيقية على مستوى التوازن الاقتصادي والاجتماعي.

وفي هذا السياق، كشف تقرير صادر عن المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة أن المغرب يدخل ما وصفه بـ“المرحلة الوسطية الحساسة”، حيث يُتوقع أن يشهد تحولات عميقة في بنية سوق العمل خلال السنوات المقبلة. وبحسب التقرير، فإن نحو 1.5 مليون وظيفة مهددة بشكل مباشر بفعل الأتمتة في أفق سنة 2030، بينما ستتأثر حوالي 4.6 ملايين وظيفة إضافية، أي ما يعادل 14 في المائة من إجمالي مناصب الشغل.

ورغم هذا التحول، لن يتمكن الاقتصاد الرقمي سوى من خلق حوالي 180 ألف فرصة عمل جديدة خلال الفترة نفسها، ما يعني تسجيل خسارة صافية قد تصل إلى 1.32 مليون وظيفة، في مؤشر واضح على اختلال التوازن بين وتيرة فقدان الوظائف وإحداث بدائل جديدة.

ويشير التقرير إلى أن القطاعات الأكثر عرضة لهذه التحولات تشمل خدمات التعهيد ومراكز النداء، والقطاع المالي والتأمين، والإدارة العمومية، إلى جانب الصناعات المعتمدة على الإنتاج المعياري مثل النسيج وصناعة السيارات. كما يسلط الضوء على ما وصفه بـ“مفارقة التأهيل”، حيث لن تقتصر المخاطر على الوظائف منخفضة المهارات، بل ستمتد أيضاً إلى نحو 30 في المائة من حاملي الشهادات العليا، بفعل تطور قدرات الذكاء الاصطناعي التوليدي في محاكاة المهارات التحليلية.

ومن الجانب الاجتماعي، يحذر التقرير من تأثيرات محتملة على فئة الشباب، خاصة في ما يتعلق بتقلص فرص الولوج إلى الوظائف الأولى، فضلاً عن هشاشة رقمية أكبر لدى النساء، اللواتي يتمركزن بشكل لافت في وظائف إدارية ومساندة تعد الأكثر عرضة للأتمتة، بنسبة قد تصل إلى 65 في المائة.

وعلى المدى المتوسط، يرجح التقرير أن تتسارع هذه التحولات مع دخول تقنيات أكثر تقدماً، مثل الروبوتات الصناعية، ما قد يؤدي إلى تآكل المزايا التنافسية المرتبطة بكلفة اليد العاملة في قطاعات حيوية كالفلاحة والنسيج والبناء. وتشير التوقعات إلى إمكانية ارتفاع عدد الوظائف المهددة إلى 2.9 مليون بحلول 2035، مع تأثر إجمالي قد يصل إلى نحو 8 ملايين منصب شغل بشكل كلي أو جزئي.

في المقابل، يبرز القطاع غير المهيكل، الذي يمثل حوالي 67.6 في المائة من سوق الشغل، كعامل يخفف نسبياً من صدمات التحول الرقمي، لكنه يظل عائقاً أمام تعميم مكاسب الإنتاجية والتحديث، نظراً لارتباطه بوظائف منخفضة القيمة وضعيفة الحماية.

ورغم إطلاق مبادرات استراتيجية مثل “المغرب الرقمي 2030” وبرنامج “Made in Morocco AI”، يسجل التقرير فجوة مقلقة بين حاجيات السوق من الكفاءات الرقمية وحجم العرض الحالي، إذ يتطلب الأمر إعادة تأهيل ما بين 250 ألف و480 ألف عامل سنوياً، في حين لم يتجاوز عدد الكفاءات الرقمية المتخرجة 22 ألفاً خلال سنة 2024، ما يعكس حجم التحدي الذي يواجهه المغرب في سباق التحول الرقمي.