احتضنت مدينة مراكش، اليوم الثلاثاء 07 أبريل 2026، افتتاح فعاليات GITEX Africa 2026، الحدث التكنولوجي البارز الذي جمع أكثر من 50 ألف مشارك من صناع القرار والمستثمرين ورواد الأعمال والمفكرين من مختلف أنحاء العالم.
وفي هذا الصدد، أكدت وزيرة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، أمل الفلاح السغروشني، في كلمة لها بالمناسبة، أن المغرب يدخل مرحلة جديدة من التحول الرقمي تقوم على إعادة تعريف السيادة التكنولوجية في سياق عالمي متغير.
استهلت الوزيرة كلمتها بالتأكيد على رمزية مراكش كحاضنة تاريخية للعلم والإشعاع الفكري، معتبرة أن المدينة تجسد اليوم صلة وصل بين ماضٍ حضاري غني ومستقبل قائم على الابتكار، وذلك في انسجام مع الرؤية الاستراتيجية التي يقودها الملك محمد السادس، والتي تضع التحول الرقمي في قلب المشروع التنموي للمملكة.
وأوضحت أن هذا الحدث لم يعد مجرد تظاهرة تقنية، بل أصبح منصة استراتيجية تُرسم فيها ملامح المستقبل الرقمي للقارة الإفريقية، بل وتُناقش من خلالها توازنات التكنولوجيا على الصعيد العالمي، بالنظر إلى نوعية المشاركين وتنوع خلفياتهم المؤسساتية والاقتصادية والفكرية.
في تحليلها للسياق الدولي، أبرزت الوزيرة السغروشني أن العالم يشهد إعادة تشكيل عميقة لا تقتصر على الحدود الجغرافية، بل تمتد إلى موازين القوى التكنولوجية والعلمية والاقتصادية والعسكرية. وحددت في هذا الإطار، عاملين رئيسيين يطبعان هذه المرحلة: عودة النزاعات المسلحة عالية الحدة، والتسارع الكبير في تطور الذكاء الاصطناعي.
واعتبرت أن الذكاء الاصطناعي بات في آن واحد أداة لتعزيز التنافسية، ورهانا للسيادة، ومجالا للتقنين، ونمطا جديدا للحياة والحكامة، محذرة في الوقت نفسه من أنه قد يساهم في تعميق الانقسامات العالمية، خاصة في ظل احتدام التنافس بين القوى الكبرى للسيطرة على سلاسل القيمة المرتبطة بوحدات المعالجة المتقدمة والحواسيب فائقة الأداء.
وفي هذا السياق، قدمت الوزيرة قراءة دقيقة للاستثمارات العالمية، حيث أشارت إلى أن الولايات المتحدة خصصت أكثر من 67 مليار دولار للاستثمار الخاص في الذكاء الاصطناعي سنة 2023، إلى جانب برامج صناعية ضخمة مثل CHIPS and Science Act بقيمة 280 مليار دولار، فيما تواصل الصين تنفيذ استراتيجية صناعية طموحة بهدف بلوغ الريادة التكنولوجية في أفق 2030، باستثمارات تتجاوز 100 مليار دولار خلال العقد الأخير. أما الاتحاد الأوروبي، فيسعى إلى التوفيق بين الابتكار والتنظيم من خلال برامج كبرى مثل Horizon Europe بميزانية 95,5 مليار يورو وDigital Europe بـ7,5 مليار يورو، مع تحضير خطة استثمارية قد تصل إلى 200 مليار يورو في مجال الذكاء الاصطناعي.
واعتبرت أن هذا السباق يعكس أن التنافس التكنولوجي أصبح أيضا سباقا في الاستثمار والقدرات الصناعية والسيادة العلمية.
في مقابل هذه النماذج الدولية المتباينة، شددت المسؤولة الحكومية على أن طموح المغرب لا يتمثل في منافسة القوى الكبرى وفق نفس القواعد، بل في ابتكار نموذج خاص أطلقت عليه “الطريق الثالث”، وهو رهان تكنولوجي يضع المواطن في صلب التحول، ويجمع بين الأصالة والحداثة.
وأوضحت أن هذا النموذج يقوم على تصور جديد للقوة التكنولوجية، لا يُقاس بالهيمنة بل بالقدرة على بناء جسور التعاون، وتسخير الابتكار لخدمة التنمية والصالح العام على المستوى العالمي.
ويستند هذا التوجه إلى أربعة مرتكزات أساسية، تشمل تحقيق سيادة تكنولوجية عملية موجهة لخدمة القطاعات الاستراتيجية والمصلحة العامة، وترسيخ حداثة رقمية منسجمة مع الخصوصيات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمملكة، وتعزيز موقع المغرب كقوة تكنولوجية توازنية تربط بين أوروبا وإفريقيا والفضاء الأطلسي، إلى جانب الاضطلاع بدور بوصلة استراتيجية للحوار الدولي حول الرقمنة والذكاء الاصطناعي.
كما أكدت أن المغرب، بحكم موقعه الجغرافي وتعدد شراكاته وتقاليده في الحوار متعدد الأطراف، قادر على لعب دور محوري كمنصة دولية للنقاش حول الذكاء الاصطناعي الأخلاقي، وجسر يربط بين مختلف النماذج التكنولوجية العالمية.
لم تقتصر كلمة الوزيرة على تشخيص الحاضر، بل امتدت إلى استشراف المستقبل، حيث نبهت إلى أن الثورة التكنولوجية المقبلة، وعلى رأسها التكنولوجيات الكمية، ستحدث تحولات جذرية في قدرات الحوسبة والتشفير وأمن المعطيات، بل وفي موازين القوة العالمية.
وشددت على أن التفكير الاستراتيجي يقتضي الاستعداد المبكر لهذه التحولات، بما يضمن تموقع المغرب ضمن الفاعلين القادرين على مواكبة هذا التحول النوعي.
كما أكدت أن عودة الحروب وتزايد توظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في موازين القوة يجعل من السيادة التكنولوجية أولوية استراتيجية قصوى، في ظل تعدد النماذج العالمية بين ليبرالية تكنولوجية تقودها المنصات الأمريكية، ونموذج صيني مدمج في قوة الدولة، ونموذج أوروبي يسعى إلى التنظيم رغم التحديات.
وفي ختام كلمتها، أبرزت أن هذا التوجه المغربي ليس مجرد تصور نظري، بل برنامج وطني وإقليمي متعدد الأبعاد والأجيال، قائم على إجراءات عملية قابلة للقياس، مع استحضار المخاطر المحتملة، مؤكدة أن المملكة ستواصل مسارها بثبات في ظل الرؤية التي يقودها الملك محمد السادس.



