حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

153طنا من الأثواب المهربة.. من أدخلها ومن سمح لها بالوصول إلى المستودعات؟

حين تضبط مصالح الجمارك بضعة أمتار من الأثواب المهربة، يمكن التعامل مع الأمر باعتباره عملية تهريب محدودة. لكن عندما نتحدث عن أزيد من 153 طنا من الأثواب، موزعة على مستودعات في الدار البيضاء والقنيطرة والجديدة، فإن القضية تتجاوز حجم المحجوزات لتطرح سؤالا أكبر وأكثر حساسية: كيف دخلت كل هذه الكميات إلى المغرب، وكيف قطعت طريقها إلى ثلاثة أقاليم قبل أن تصل إليها الفرقة الوطنية للجمارك؟
المعطيات المتداولة تشير إلى أن أغلب الأثواب مصدرها تركيا والصين، وهنا تبدأ الأسئلة التي يفترض أن تشكل جوهر التحقيق، لا هامشه. هل دخلت هذه السلع عبر الموانئ؟ هل وصلت في حاويات عبر البحر؟ هل عبر جزء منها الحدود البرية ضمن عمليات نقل دولي؟ أم استعملت قنوات أخرى؟ أما فرضية نقل 153 طنا جوا فتبدو من الناحية اللوجستية أقل ترجيحا بالنظر إلى طبيعة البضاعة وحجمها وكلفة الشحن، لكن الحسم لا يكون بالافتراض، وإنما بالعودة إلى وثائق النقل والتصريحات الجمركية ومسار كل شحنة.
153 طنا ليست كمية يمكن أن تختفي في حقيبة مسافر أو تمر دون أن تترك أثرا. نحن أمام حمولة تحتاج إلى وسائل نقل ومستودعات ووثائق وفواتير وموردين ومستوردين ومسارات تجارية. وبالتالي، فإن الوصول إلى المستودعات ليس سوى الحلقة الأخيرة من قصة يجب أن يبدأ التحقيق فيها من نقطة الدخول الأولى.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: أين كانت المراقبة الجمركية عندما دخلت هذه المواد؟ فإذا كانت بعض الكميات قد دخلت في إطار نظام «القبول المؤقت»، فهذا يعني أنها لم تدخل بالضرورة خلسة من الحدود، وإنما قد تكون دخلت عبر مسطرة قانونية مرتبطة باستيراد مواد أولية قصد تصنيعها أو تحويلها وفق الشروط المقررة، قبل أن تظهر شبهات بشأن وجهتها الحقيقية.
وهنا تصبح القضية أكثر تعقيدا. فإذا ثبت تحويل مواد دخلت تحت نظام جمركي خاص إلى مسارات غير المصرح بها، فإن السؤال لن يكون فقط من قام بذلك، وإنما كيف استطاع القيام به؟ أين كانت آليات التتبع؟ وهل كانت هناك مراقبة فعلية للكميات الداخلة والخارجة؟ ومن كان يتأكد من أن ما دخل للاستعمال في غرض محدد انتهى فعلا إلى الوجهة المصرح بها؟
أما الحديث عن شركات صورية ووثائق استعملت لكراء مستودعات وإخفاء المستفيدين الحقيقيين، إن أثبتته التحقيقات، فإنه يرفع مستوى القضية من مجرد مخالفة جمركية إلى شبكة محتملة من العلاقات والوسطاء والواجهات التجارية التي تستوجب تفكيكها من بدايتها إلى نهايتها.
وهنا يبرز سؤال المحاباة. هل استفادت بعض المقاولات من تساهل أو معاملة خاصة؟ لا توجد، في المعطيات المتاحة، عناصر تسمح بالجزم بذلك، ولا يجوز تحويل السؤال إلى اتهام قبل ظهور نتائج التحقيق. لكن من حق الرأي العام والمهنيين الذين يؤدون الرسوم والضرائب ويحترمون المساطر أن يسألوا: هل تخضع جميع الشركات للدرجة نفسها من المراقبة؟ وهل تطبق معايير المخاطر والتدقيق بالصرامة نفسها على الجميع؟
ثم هناك سؤال آخر لا يقل أهمية: لماذا تظهر بعض الملفات الكبرى فجأة عندما تتغير وتيرة المراقبة أو يتحرك مسؤول جديد أو تدخل فرقة مركزية على الخط؟ هل لأن الإدارة أصبحت أكثر فعالية وتمكنت من الوصول إلى ما كان مخفيا؟ أم لأن هناك اختلالات ظلت قائمة ولم تكتشف في وقتها؟ وهل ترتبط فعالية المراقبة بالنظام المؤسساتي نفسه أم بالأشخاص الذين يتولون المسؤولية؟
ليس المطلوب تحميل مسؤول جديد أخطاء من سبقه، ولا اتهام مسؤول سابق بما لم يثبت في حقه. المطلوب هو ألا تتحول الإدارة إلى حلقات منفصلة، بحيث تبدأ كل مرحلة باكتشاف ما لم تره المرحلة السابقة. المؤسسات القوية لا تنتظر تغيير المسؤولين لكي تكتشف الاختلالات، بل تبني أنظمة رقابة تجعل اكتشافها ممكنا أيا كان الشخص الموجود على رأس المصلحة.
كما أن القضية لا تهم الجمارك وحدها. فكل متر من الثوب يدخل السوق خارج المسار القانوني يمكن أن يتحول إلى منافسة غير عادلة لمقاولة تؤدي واجباتها، ولمصنع يشغل العمال، ولمستورد يصرح ببضاعته ويؤدي الرسوم المستحقة. التهريب بهذا الحجم، إذا تأكدت تفاصيله، لا يضرب فقط مداخيل الدولة، بل يمس أيضا التوازن داخل قطاع النسيج والألبسة.
لذلك فإن ضبط 153 طنا يجب ألا يكون نهاية الملف، بل بدايته. المطلوب إعادة رسم الطريق الذي سلكته البضاعة: من أي مصنع خرجت في تركيا أو الصين؟ من اشتراها؟ من شحنها؟ في أي تاريخ وصلت إلى المغرب؟ عبر أي منفذ؟ باسم أي شركة صرح بها؟ ما الكميات المصرح بها؟ من نقلها بعد خروجها؟ ومن استأجر المستودعات؟ ومن كان ينتظر بيعها أو الاستفادة منها؟
وعندما تتوفر الإجابات عن هذه الأسئلة، يمكن معرفة ما إذا كنا أمام مهربين نجحوا في التحايل على منظومة المراقبة، أم أمام ثغرات إدارية استغلت بذكاء، أم أمام مسؤوليات أخرى يتعين ترتيب آثارها.
أما اليوم، فالسؤال الذي ينبغي ألا يضيع وسط صور المحجوزات والأرقام الكبيرة بسيط ومباشر: إذا كانت الجمارك قد عثرت على 153 طنا في المستودعات، فمن الضروري أن نعرف كيف دخلت هذه الـ153 طنا من الحدود أولا؟