لم يكن تتويج “المدرسة الرائدة الشفشاوني” بالجائزة الوطنية لأحسن مدرسة رائدة برسم الموسم الدراسي 2025-2026 حدثًا عادياً، بل محطة دالة على التحولات التي تعرفها المدرسة العمومية المغربية في إطار تنزيل خارطة الطريق 2022-2026.
هذا التتويج، الذي جاء خلال المنتدى الوطني للمدرس، يعكس ـ وفق معطيات ميدانية ـ نجاح المديرية الإقليمية عين السبع الحي المحمدي، في تنزيل نموذج “مؤسسات الريادة”، حيث بلغت نسبة تعميمه 63%، وهو ما أتاح إحداث دينامية ملموسة داخل المؤسسات التعليمية، سواء على مستوى تأهيل البنيات التحتية، أو من خلال توفير تجهيزات حديثة وفضاءات تعلم أكثر جاذبية، إلى جانب تطوير النموذج البيداغوجي المعتمد.
وقد ساهم هذا التحول في تحقيق نتائج إيجابية على مستوى التحكم في التعلمات الأساسية، وتعزيز جاذبية المدرسة العمومية، في سياق يسعى إلى إعادة بناء الثقة في أدائها ووظيفتها التربوية.
ويرتبط هذا النجاح، حسب المسؤول الإقليمي، باعتماد رؤية قائمة على العمل التشاركي والتكامل بين مختلف مستويات التدبير، مع التأكيد على أن الحفاظ على هذا المستوى من التميز يظل رهينًا بالاستمرارية في نفس الدينامية، وترسيخ ثقافة العمل الجماعي والمسؤولية المشتركة.
على مستوى القيادة التربوية، اعتمدت إدارة المؤسسة مقاربة تدبيرية حديثة تقوم على إشراك مختلف الفاعلين في اتخاذ القرار، من خلال تفعيل آليات التشاور والتنسيق، وهو ما ساهم في تعزيز روح الانتماء داخل المؤسسة. كما تم اعتماد التدبير المبني على النتائج، عبر تحديد أهداف دقيقة ومؤشرات قابلة للقياس، يتم تتبعها بشكل دوري لاتخاذ قرارات مبنية على معطيات واقعية.
ولم يغفل هذا التوجه البعد الإنساني، حيث تم العمل على خلق مناخ مهني قائم على الثقة والتحفيز، وتشجيع المبادرات المبتكرة، إلى جانب دعم التكوين المستمر للأطر التربوية، بما يسهم في تطوير كفاءاتهم ومواكبة المستجدات البيداغوجية.
وفي ما يخص تعبئة الموارد، اعتمدت المؤسسة مقاربة شمولية ترتكز على تثمين الرأسمال البشري، عبر توزيع الأدوار وفق الكفاءات، وتعزيز العمل الجماعي. كما تم تحسين فضاءات التعلم واستثمار الموارد المتاحة بشكل أمثل، مع الانفتاح على الشركاء، خاصة جمعية دعم مدرسة النجاح، لتعبئة إمكانيات إضافية دعمت المشاريع التربوية والأنشطة الموازية.
داخل الفصول الدراسية، برز أثر هذا التحول من خلال اعتماد مقاربات بيداغوجية حديثة، مثل TARL والتدريس الصريح، والتي مكنت من الانتقال من نموذج تدريس موحد إلى مقاربة تراعي الفروق الفردية بين التلاميذ، عبر تشخيص دقيق لمستوياتهم وتقديم أنشطة ملائمة لكل فئة.
وقد ساهم هذا التوجه في تقليص التعثرات الدراسية وتحسين اكتساب التعلمات الأساسية، إلى جانب تعزيز دافعية التلاميذ، الذين أصبحوا أكثر انخراطًا وثقة في قدراتهم، مع ارتفاع ملحوظ في المشاركة داخل الفصل.
من جهته، يبرز المفتش التربوي، أن هذا التحول يعكس قطيعة إيجابية مع بعض الممارسات التقليدية، حيث أصبحت المدرسة فضاءً يمكّن المتعلم من امتلاك استراتيجيات التعلم، بدل الاقتصار على تلقي المعارف.
وقد تحقق ذلك بفضل تكوين ميداني فعال للأطر التربوية، يركز على الجوانب التطبيقية للممارسة الصفية، إلى جانب مواكبة مستمرة تقوم على التتبع والتقويم والتفاعل مع التحديات بشكل آني.
كما ساهمت هذه الدينامية في ترسيخ ثقافة العمل الجماعي، حيث انخرط مختلف المتدخلين في رؤية موحدة تضع مصلحة المتعلم في صلب العملية التعليمية.
وعلى صعيد الأسر، تم تسجيل تغيرات إيجابية في سلوك التلاميذ ونتائجهم الدراسية، حيث أصبحوا أكثر انضباطًا واستقلالية، مع تحسن ملحوظ في مستوى التحصيل، خاصة في التعلمات الأساسية. كما لعبت الأنشطة الموازية دورًا مهمًا في تنمية مهاراتهم الحياتية وتعزيز روح الإبداع لديهم.
وقد لقي انفتاح المؤسسة على محيطها الأسري استحسانًا كبيرًا، من خلال اعتماد تواصل منتظم وإشراك فعلي للأسر في الحياة المدرسية، مما عزز الثقة والتعاون بين مختلف الشركاء.
أما التلاميذ، فقد عبروا عن ارتياحهم للتحولات التي شهدتها المؤسسة، خاصة من حيث طريقة تقديم الدروس، التي أصبحت أكثر تفاعلاً وتنظيمًا، مدعومة باستعمال الوسائل الرقمية وأنشطة الدعم التي ساعدتهم على تجاوز صعوباتهم الدراسية.
كما أكدوا أن الأجواء داخل القسم أصبحت أكثر تحفيزًا، وأن تنوع الأنشطة التعليمية والموازية جعل من المدرسة فضاءً ممتعًا يدعم التعلم ويشجع على المشاركة.
وفي ختام هذا المسار، لا تقدم تجربة “المدرسة الرائدة الشفشاوني” نفسها كنموذج للمقارنة أو المفاضلة، بقدر ما تطرح إمكانًا واقعيًا لتطوير المدرسة العمومية في مختلف السياقات. فهي تُبرز أن توفر رؤية واضحة، وتعبئة جماعية، واستثمار فعلي في الممارسة التربوية، كفيل بإحداث فرق ملموس في جودة التعلمات وفي علاقة المتعلم بالمدرسة.
كما أن هذا التتويج يعكس مجهودات منظومة تربوية بأكملها، حيث تواصل مختلف المؤسسات التعليمية، الاشتغال بنفس الروح الإصلاحية، كلٌّ وفق خصوصياته وإمكاناته، في أفق تحقيق نفس الهدف: مدرسة عمومية منصفة، جاذبة، وذات جودة.
بهذا المعنى، يشكل هذا التتويج محطة تحفيزية أكثر منه نقطة وصول، وفرصة لتقاسم تجربة ناجحة يمكن أن تلهم وتغني باقي المبادرات التربوية، في إطار تكامل الجهود لا تنافسها.



