حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

لم يعد نجاح الحكومة المغربية الجديدة مرتبطاً فقط بقدرتها على تشكيل أغلبية منسجمة، بل بمدى قدرتها على تحويل هذا الانسجام إلى قرارات وسياسات عمومية تنعكس على الحياة اليومية للمواطنين.

فبعد تعيين الملك محمد السادس أعضاء الحكومة الجديدة، الجمعة 16 أكتوبر الجاري، ينتقل التحدي إلى مرحلة أكثر حساسية، عنوانها إعداد برنامج حكومي طموح، وترتيب الأولويات، وترجمة الالتزامات السياسية إلى نتائج ملموسة وقابلة للتقييم.

وفي أول تصريح لها عقب تعيين أعضاء الحكومة بالقصر الملكي بالرباط، أكدت فاطمة الزهراء المنصوري أن الحكومة الجديدة ستعمل على بلورة وتفعيل برنامج طموح يستجيب لانتظارات المواطنين ويواجه التحديات الكبرى، انسجاماً مع التوجهات الملكية الواردة في خطابي العرش وافتتاح البرلمان.

وأوضحت أن الأغلبية الحكومية، التي تتكون من أربعة أحزاب ذات مرجعيات متقاربة وتقاطعات في البرامج، تشكل فريق عمل منسجماً يتبنى تصوراً موحداً وبرنامجاً مشتركاً.

كما أبرزت حضور كفاءات مشهود لها بالخبرة، إلى جانب تمثيلية مهمة للنساء والشباب، مؤكدة أن البرنامج المرتقب عرضه على مجلسي البرلمان سيتضمن حلولاً تستجيب لتطلعات المواطنات والمواطنين، وأن تنزيله سيتم بروح المسؤولية من خلال سياسات عمومية تحدث أثراً إيجابياً في المجتمع.

وتكتسي هذه التصريحات أهمية بالنظر إلى طبيعة المرحلة التي تتسلم فيها الحكومة مسؤولية تدبير الشأن العام؛ إذ لا يتعلق الأمر بمجرد استكمال الترتيبات السياسية والمؤسساتية، وإنما بوضع تصور متكامل للعمل الحكومي، يحدد الأولويات ويوضح المسؤوليات ويجعل أثر السياسات العمومية معياراً أساسياً لتقييم الأداء.

وتستند الأغلبية الجديدة إلى أربعة أحزاب، هي الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية.
وترى المنصوري أن تقارب مرجعيات هذه المكونات وتقاطعات برامجها يتيحان تشكيل فريق عمل منسجم يتبنى تصوراً موحداً وبرنامجاً مشتركاً. غير أن الاختبار الحقيقي لهذا الانسجام سيظهر عند ترتيب الأولويات وتوزيع المسؤوليات وتدبير الملفات التي قد تتباين بشأنها المقاربات الحزبية.

فالتقارب السياسي قد يساعد على تسريع اتخاذ القرار، لكنه لا يضمن وحده تحقيق النتائج. وتحتاج الحكومة إلى آليات فعالة للتنسيق بين القطاعات الوزارية، وربط الأهداف بالآجال والموارد المالية، وتقييم تقدم المشاريع، بما يحول دون تشتت الجهود أو بقاء الالتزامات الواردة في البرنامج في مستوى الأهداف العامة التي يصعب قياس تنفيذها.

ويشكل البرنامج الحكومي المرتقب عرضه على مجلسي البرلمان المحطة الأساسية لترجمة هذه الالتزامات إلى إجراءات عملية. وينتظر أن يحدد كيفية التعامل مع الملفات الاقتصادية والاجتماعية ذات الأولوية، وفي مقدمتها تحسين القدرة الشرائية، وتوسيع فرص الشغل، والارتقاء بخدمات الصحة والتعليم، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وتقليص الفوارق المجالية.

وستتوقف فعالية هذا البرنامج على واقعية أهدافه، وقدرته على الاستجابة للحاجيات الفعلية للمواطنين، وربط المشاريع بالإمكانات المتاحة والنتائج المنتظرة.

ويمتد هذا الاختبار إلى المجال الترابي، حيث تبرز أهمية الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري في تقريب القرار من المواطنين، وتمكين الجهات من الاختصاصات والموارد الضرورية، وتحقيق توزيع أكثر توازناً للاستثمارات والخدمات وفرص الشغل.

كما يتطلب الإقلاع الاقتصادي دعم الاستثمار والإنتاج، ومواكبة التحولات التكنولوجية، وتعزيز الأمن المائي والطاقي والغذائي، وربط النمو الاقتصادي بخلق فرص العمل وتحسين ظروف العيش.

وتبقى كيفية توظيف الكفاءات ذات الخبرة، إلى جانب التمثيلية المهمة للنساء والشباب التي تحدثت عنها المنصوري، أحد الاختبارات المطروحة أمام الفريق الحكومي. فالتحدي لا يقف عند التمثيلية أو توفر التجربة المهنية، بل يمتد إلى تجديد أساليب التدبير، وتسريع معالجة الملفات، وتحسين التنسيق بين المؤسسات، والانفتاح على انتظارات المجتمع.

ومن شأن الانسجام مع التوجهات الملكية، التي استحضرتها رئيسة الحكومة في تصريحها، أن يشكل إطاراً موجهاً للعمل الحكومي، على أن تتجسد هذه التوجهات في برامج قطاعية متكاملة وإجراءات قابلة للتنفيذ، مع وضوح المسؤوليات وتنسيق الجهود بين مختلف المتدخلين، حتى لا تتعثر الأهداف المعلنة عند الانتقال من مستوى التوجيه إلى مستوى التطبيق.

ولا يقل التواصل الحكومي أهمية عن باقي عناصر النجاح؛ إذ يتطلب توضيح القرارات وأهدافها، وتقديم معطيات دقيقة بشأن تقدم المشاريع، والتفاعل مع انتقادات المواطنين وملاحظاتهم. فالثقة لا تُبنى بالتصريحات وحدها، وإنما تتعزز كلما لمس المواطنون تحسناً في الخدمات واستجابة فعلية للمشكلات التي تواجههم.

وبذلك، تدخل حكومة فاطمة الزهراء المنصوري مرحلة يتجاوز فيها الرهان مجرد الانسجام بين مكونات الأغلبية إلى إثبات القدرة على الإنجاز. فالتقارب بين الأحزاب والكفاءات التي تضمها الحكومة يشكلان نقطة انطلاق، لكن الحكم على التجربة سيظل مرتبطاً بمضمون البرنامج الحكومي ونجاعة تنفيذه ومدى انعكاسه على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للمغاربة. وبين طموح التصريحات وانتظارات المواطنين، سيظل معيار النجاح هو ما ستتمكن الحكومة من تحقيقه على أرض الواقع.