حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

يضع الارتفاع الشهري لأسعار الاستهلاك في المغرب هدف الحكومة الجديدة بحصر التضخم في حدود 2 في المائة في أفق 2031 أمام اختبار مبكر، عنوانه مدى قدرة السياسات الاقتصادية والاجتماعية على تخفيف أعباء المعيشة عن الأسر.

فبينما تراهن حكومة فاطمة الزهراء المنصوري على استقرار الأسعار لدعم القدرة الشرائية، تكشف معطيات شتنبر 2026 أن تحركات الأسعار لا تزال تحمل ضغوطا ملموسة، خصوصا في المواد الغذائية التي تشكل جزءا أساسيا من النفقات اليومية للمواطنين.

وأفادت المعطيات الواردة في مذكرة المندوبية السامية للتخطيط بأن معدل التضخم، مقاسا بالرقم الاستدلالي للأثمان عند الاستهلاك، ارتفع بنسبة 0,5 في المائة خلال شتنبر مقارنة بالشهر نفسه من السنة الماضية.

غير أن المؤشر سجل، على أساس شهري، زيادة بنسبة 1 في المائة، مدفوعة بارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسبة 1,6 في المائة، والمواد غير الغذائية بنسبة 0,4 في المائة. كما ارتفعت أسعار اللحوم والخضر بنسبة 4,3 في المائة لكل منهما بين غشت وشتنبر، وصعدت أسعار المحروقات بنسبة 2 في المائة.

وتبرز هذه الأرقام مفارقة أساسية في قراءة الوضع المعيشي: انخفاض التضخم السنوي لا يعني بالضرورة تراجع الأسعار التي يؤديها المواطن في الأسواق، بل يعكس وتيرة تغيرها مقارنة بالفترة السابقة.

فقد يتباطأ ارتفاع الأسعار، أو تنخفض بعض المكونات داخل سلة الاستهلاك، بينما تواصل مواد أخرى تسجيل زيادات شهرية يشعر بها المستهلك مباشرة. لذلك، لا يكفي الاستناد إلى المعدل العام وحده للحكم على وضع القدرة الشرائية.

وتزداد أهمية هذا التمييز بالنظر إلى أن أسعار المواد الغذائية تراجعت، وفق المعطيات نفسها، بنسبة 2,5 في المائة على أساس سنوي، في مقابل ارتفاع أسعار المواد غير الغذائية بنسبة 2,8 في المائة.

ولا ينفي هذا التراجع السنوي في مؤشر الغذاء أن تسجل منتجات محددة زيادات خلال شهر واحد، مثل اللحوم والخضر؛ إذ تقيس المقارنة السنوية تطور الأسعار على مدى اثني عشر شهرا، بينما ترصد المقارنة الشهرية التحولات الأحدث. ومن ثم، فإن قراءة المؤشرين معا تتيح فهما أدق لما تتحمله الأسر من نفقات.

أما على مستوى المواد والخدمات غير الغذائية، فقد ارتفعت أسعار النقل بنسبة 9,4 في المائة على أساس سنوي، وفق الأرقام الواردة في المعطيات المنشورة، كما سجلت قطاعات التعليم الخصوصي والنقل والمطاعم والفنادق زيادات شهرية متفاوتة.

ويعني ذلك أن الضغط على ميزانية الأسرة لا يرتبط فقط بما تشتريه من مواد غذائية، بل يمتد إلى نفقات التنقل والتعليم والخدمات، وهي مصاريف يصعب على كثير من الأسر الاستغناء عنها أو تقليصها بصورة كبيرة.

في هذا السياق، أعلنت حكومة المنصوري، ضمن برنامجها للفترة 2026-2031، استهداف حصر التضخم في حدود 2 في المائة سنويا، بالتوازي مع السعي إلى تحقيق نمو اقتصادي متوسطه 5 في المائة.

وقد ربطت الحكومة هذا التوجه بحماية القدرة الشرائية والاستقرار الاقتصادي، إلى جانب التزامات أخرى تتعلق بالدعم الاجتماعي والاستثمار والتشغيل. لكن بلوغ هذا الهدف الماكرو اقتصادي لا يضمن، بمفرده، أن تشعر الأسر بتحسن ملموس في مستوى عيشها، ما لم ينعكس استقرار الأسعار على كلفة السلة الاستهلاكية الفعلية وعلى قدرة المداخيل على مواكبة النفقات.

فالقدرة الشرائية لا تتحدد بمعدل التضخم وحده، بل تتأثر كذلك بمستوى الدخل، وفرص الشغل، والضرائب، وتكاليف السكن والتنقل والخدمات الأساسية.

وقد يسجل الاقتصاد تضخما منخفضا نسبيا، لكن الأسر ذات الدخل المحدود تظل تحت ضغط كبير إذا كانت نفقاتها تتركز في المواد الأساسية التي ترتفع أسعارها، أو إذا لم تواكب مداخيلها تكاليف المعيشة. ولهذا، فإن تقييم السياسة الحكومية يقتضي النظر إلى تطور الأسعار بالتوازي مع الأجور والدخل المتاح للأسر.

ومن هنا، يصبح التحدي أمام الحكومة مزدوجا: المحافظة على استقرار عام للأسعار، والتعامل في الوقت نفسه مع مصادر الغلاء التي تمس الاستهلاك اليومي.

ويقتضي ذلك تتبع تطور أسعار المواد الأساسية، وتحسين مراقبة الأسواق، وتعزيز شفافية سلاسل التوزيع، والتصدي للممارسات غير التنافسية عند ثبوتها، فضلا عن معالجة الاختلالات التي قد تؤدي إلى اتساع الفجوة بين أسعار الإنتاج وأسعار البيع للمستهلك.
كما أن تطور أسعار المحروقات يظل عاملا يستدعي المتابعة، بالنظر إلى انعكاساته المحتملة على تكاليف النقل والإنتاج والتوزيع.

ولا يقل الجانب الاجتماعي أهمية عن التدابير الاقتصادية. فالدعم الاجتماعي المباشر يمكن أن يساعد الأسر المستحقة على مواجهة جزء من أعباء المعيشة، لكنه لا يعوض الحاجة إلى خلق فرص عمل مستقرة وتحسين المداخيل وجودة الخدمات العمومية.

كما أن أثر أي زيادة في الدعم يظل مرتبطا بتطور الأسعار ومدى وصول المساعدة إلى الفئات المعنية، وبقدرة السياسات الأخرى على الحد من الضغوط التي تواجهها ميزانيات الأسر.

وتطرح هذه المعطيات أيضا ضرورة اعتماد تقييم يتجاوز الإعلان عن معدل مستهدف للتضخم، عبر تتبع المؤشرات التي تعكس حياة المواطنين اليومية: تطور أسعار المواد الأكثر استهلاكا، وكلفة النقل والتعليم والسكن، ومستوى المداخيل، ومدى تحسن وضع الأسر ذات الموارد المحدودة.
فالمؤشر العام يظل ضروريا لفهم الاتجاه الاقتصادي، لكنه لا يقدم وحده صورة كاملة عن توزيع أعباء الغلاء بين الفئات الاجتماعية.

ويبقى هدف حصر التضخم في حدود 2 في المائة التزاما اقتصاديا واضحا ضمن برنامج حكومة المنصوري، لكن الرهان الاجتماعي الأوسع يتمثل في ترجمة استقرار الأسعار إلى تحسن فعلي في القدرة الشرائية.

وستتحدد قيمة هذا الالتزام بمدى نجاح الحكومة في الحد من التقلبات التي تمس المواد الأساسية، وتحسين المداخيل وفرص الشغل، وضمان أن ينعكس النمو الاقتصادي على الحياة اليومية للمغاربة، لا أن يظل مجرد مؤشر في التقارير الاقتصادية.