تضع الاستعدادات لإعادة إسكان سكان كاريان الرحامنة بمنطقة سيدي مومن بالدار البيضاء ملف السكن غير اللائق في المغرب أمام اختبار جديد، يتجاوز هدم أحد أكبر التجمعات الصفيحية إلى قياس قدرة السياسات العمومية على توفير بدائل سكنية مستدامة، في بلد قطعت فيه برامج محاربة الصفيح أشواطا مهمة، لكنها لم تتمكن بعد من إنهاء الظاهرة.
وتكتسي هذه العملية أهمية خاصة بالنظر إلى حجم المشروع المعلن عنه، إذ يتحدث الخبر الذي نشره موقع «تيلكسبريس» اليوم الخميس، عن تخصيص نحو 65 ألف شقة للأسر المعنية، مع تحديد مساهمة الأسرة المستفيدة في 10 ملايين سنتيم، مقابل دعم عمومي يصل إلى 15 مليون سنتيم للوحدة السكنية.
وتكشف الأرقام الوطنية عن حجم التحدي الذي تواجهه هذه السياسة. فبحسب المعطيات التي قدمها كاتب الدولة المكلف بالإسكان، أديب بنبراهيم، أمام مجلس النواب في أبريل 2026، ارتفع عدد الأسر التي يشملها برنامج «مدن بدون صفيح» من 270 ألف أسرة عند إطلاقه سنة 2004 إلى 496 ألف أسرة في نهاية شتنبر 2025.
وفي المقابل، تمت معالجة وضعية نحو 370 ألف أسرة، فيما أُعلن عن خلو 62 مدينة ومركزا حضريا من دور الصفيح. وتوضح هذه الأرقام أن اتساع الفئة المستهدفة بمرور السنوات يظل عاملا مؤثرا في وتيرة إنجاز البرنامج ونتائجه.
ويعني هذا التطور أن التحدي لا يقتصر على معالجة التراكم التاريخي للسكن العشوائي، بل يشمل أيضا الأسر التي أضيفت إلى قوائم المستفيدين نتيجة استمرار الضغوط الاجتماعية والاقتصادية والتحولات الحضرية.
فكلما توسعت المدن وارتفعت كلفة السكن النظامي، ازدادت أهمية السياسات القادرة على منع ظهور تجمعات جديدة، بالتوازي مع معالجة التجمعات القائمة.
ومنذ إطلاق برنامج «مدن بدون صفيح» سنة 2004، اعتمد المغرب مقاربات متعددة لإعادة إسكان الأسر المعنية وتحسين ظروف عيشها. ووفق المعطيات التي أوردتها منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية في مراجعتها للسياسة الحضرية الوطنية للمغرب، استهدف البرنامج في البداية نحو 270 ألف أسرة موزعة على قرابة ألف تجمع صفيحي في 85 مدينة ومركزا حضريا.
لكن الفئة المستهدفة تجاوزت 464 ألف أسرة مع نهاية مارس 2024، في حين تحسنت ظروف عيش أكثر من 344 ألف أسرة خلال الفترة نفسها.
ويعكس الفارق بين التقديرات الأولى والحاجيات التي ظهرت لاحقا صعوبة حصر الظاهرة في أرقام ثابتة. فالتوسع الحضري، والهجرة نحو المدن، والقدرة المحدودة لبعض الأسر على تحمل تكاليف السكن، كلها عوامل تجعل معالجة الصفيح ورشا متجددا، وليس مجرد عملية تنتهي بهدم آخر مسكن في تجمع معين.
وفي هذا السياق، يشكل البرنامج الخماسي للفترة 2024-2028 مرحلة جديدة في تدبير الملف، إذ يستهدف تسريع معالجة وضعية 120 ألف أسرة، مع توسيع الاعتماد على الدعم المباشر وإشراك المنعشين العقاريين والقطاع الخاص وتعبئة الوحدات السكنية المنجزة أو المتاحة.
كما تتجه المقاربة الجديدة نحو إعادة الإسكان في شقق لا يتجاوز سعر الوحدة منها 300 ألف درهم، مع مساهمة من وزارة الإسكان تبلغ 100 ألف درهم وفق المعطيات الحكومية المنشورة في دجنبر 2024.
ولا تتوقف أهمية هذه المقاربة عند توفير السكن البديل، بل ترتبط كذلك بمدى قدرة الأسر على تحمل ما يتبقى من كلفة الاقتناء، واستيفاء شروط الاستفادة، والانتقال إلى أحياء تتوفر فيها التجهيزات والخدمات الأساسية.
فالسكن الذي يصعب على الأسرة تمويله أو المحافظة عليه قد لا يحقق الغاية الاجتماعية المرجوة، حتى لو استوفى الشروط العمرانية المطلوبة.
وتبرز الدار البيضاء، بحكم حجمها الاقتصادي والديمغرافي، في قلب هذا التحدي. فقد أظهرت نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، كما عرضها المندوبية السامية للتخطيط في دجنبر 2025، أن نسبة السكن غير اللائق، بما يشمل المساكن البدائية ودور الصفيح والسكن من النوع القروي داخل المجال الحضري، تراجعت وطنيا من 6.3 في المائة سنة 2014 إلى 3.4 في المائة سنة 2024، بما يعادل نحو 284 ألف مسكن.
ومع ذلك، سجلت جهة الدار البيضاء-سطات نسبة مهمة من مساكن الصفيح بلغت 5 في المائة ضمن المؤشرات الجهوية الواردة في الدراسة.
ويؤكد هذا التباين أن التقدم الوطني لا ينعكس بالضرورة بالوتيرة نفسها على جميع الجهات، وأن المدن الكبرى تحتاج إلى تدخلات تتناسب مع حجم الطلب على السكن وطبيعة سوق العقار فيها.
كما أن عدد المساكن غير اللائقة الوارد في إحصاء المندوبية السامية للتخطيط لا ينبغي الخلط بينه وبين عدد الأسر المسجلة في برنامج «مدن بدون صفيح»، لاختلاف المؤشرات والفئات التي يقيسها كل مصدر.
وبالنسبة إلى كاريان الرحامنة، فإن نجاح العملية لن يقاس فقط بإنهاء وجود المباني الصفيحية في الموقع، بل بمدى احترام حقوق الأسر المعنية، ووضوح لوائح المستفيدين، وشفافية شروط إعادة الإسكان، وتوفير المرافق الضرورية في أماكن الاستقرار الجديدة.
كما تظل مواكبة الأسر خلال الانتقال ضرورية لتقليل الأعباء المرتبطة بالنقل والتنقل اليومي والوصول إلى العمل والمدرسة والخدمات الصحية.
وتطرح هذه التجربة أيضا سؤالا أوسع يتعلق بالوقاية من عودة السكن غير اللائق. فالقضاء على تجمع صفيحي قائم لا يعالج وحده الأسباب التي أدت إلى نشأته، ما لم يواكبه توسيع العرض السكني الملائم للقدرة الشرائية، وتحسين التخطيط الحضري، وتوفير فرص الشغل والخدمات في المجالات التي تستقبل السكان، وتعزيز مراقبة التوسع العمراني غير المنظم.
وهكذا، تقترب الدار البيضاء من محطة جديدة في مسار محاربة السكن غير اللائق، لكن الرهان الحقيقي يظل مرتبطا بقدرة المشروع على تحويل إعادة الإسكان إلى استقرار اجتماعي طويل الأمد. فبين نحو 370 ألف أسرة تمت معالجة وضعيتها وطنيا، وفق الأرقام الحكومية المعلنة، ومئات الآلاف من الأسر التي ظلت ضمن نطاق البرنامج أو أضيفت إلى الفئة المستهدفة، تتحدد المسافة بين تحقيق تقدم ملموس وإغلاق الملف نهائيا. وهي مسافة لا تختصرها عمليات الهدم وحدها، بل تقاس بقدرة السياسات السكنية على منع إعادة إنتاج الظاهرة وضمان الحق في سكن لائق ومستدام.



