حجم الخط + -
1 دقيقة للقراءة

مع اقتراب ساعة الحسم في الانتخابات التشريعية، يبدو أن المنافسة السياسية لم تعد تقتصر على البرامج والمرشحين والوعود، بل انتقلت إلى حرب جديدة أبطالها تسجيلات صوتية مجهولة المصدر ورسائل تتناقلها الهواتف، تزعم أن مواطنين يتلقون مقابلا ماديا لحضور تجمعات حزبية وتأثيث القاعات وإظهارها أمام الكاميرات وكأنها تعيش تعبئة جماهيرية كبيرة. الأخطر ليس فقط مضمون هذه التسجيلات، بل توقيت ظهورها وطريقة تسريبها، وهو ما يطرح سؤالا مشروعا: هل تكشف فعلا ممارسات انتخابية غير سليمة، أم أنها مواد مفبركة لضرب المنافسين وتشويه صورتهم أمام الناخبين؟ في زمن أصبح فيه تقليد الأصوات وتركيب المحادثات ممكنا بفضل التطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي، لم يعد مجرد تسجيل صوتي مجهول كافيا للإدانة، كما أن انتشاره الواسع لا يحوله إلى حقيقة. وفي المقابل، إذا ثبت أن جهات سياسية تدفع المال لاستقدام أشخاص إلى تجمعاتها حتى تبدو القاعات ممتلئة، فإن السؤال يصبح أكثر إحراجا: ما قيمة تجمع سياسي يحتاج إلى المال لصناعة جمهوره؟ وما قيمة صور الحشود إذا كان الحاضر جاء من أجل المقابل وليس اقتناعا بالبرنامج والمرشح؟ الديمقراطية لا تقاس بعدد الكراسي الممتلئة ولا بقوة التصفيق، بل بقدرة الأحزاب على إقناع المواطنين وتحويل الثقة إلى أصوات داخل صناديق الاقتراع. وإذا كانت التسجيلات نفسها مفبركة، فنحن أمام ممارسة لا تقل خطورة، هدفها توجيه الرأي العام بالتضليل الرقمي وإلباس الخصم تهمة قد تلاحقه حتى بعد نفيها. لذلك فإن أي ادعاء جدي باستعمال المال يجب أن يأخذ طريقه نحو الجهات المختصة، بدل إلقائه في فضاء مواقع التواصل وانتظار أن تقوم الإشاعة بالباقي. المغاربة لا يحتاجون إلى قاعات مصطنعة ولا تسجيلات مجهولة، بل إلى أجوبة واضحة حول الشغل والتعليم والصحة والأسعار والاستثمار ومستقبل الشباب. فمن يملك برنامجا مقنعا لا يحتاج إلى شراء جمهور، ومن يملك حجة سياسية لا يحتاج إلى فبركة تسجيل ضد منافسه. قد ينجح المال في ملء قاعة، وقد يشعل تسجيل مجهول مواقع التواصل، لكن الاختبار الحقيقي يبقى صندوق الاقتراع. والسؤال اليوم: هل سنتابع حملة تتنافس فيها البرامج، أم موسما انتخابيا تتنافس فيه التسجيلات والحشود المصنوعة؟