تعكس المؤشرات الجهوية لسوق الشغل بالمغرب تفاوتاً واضحاً في فرص المشاركة الاقتصادية ومستويات البطالة، حيث لا تتوزع فرص الاندماج المهني بشكل متوازن بين مختلف جهات المملكة، وفق المعطيات التي كشفت عنها المندوبية السامية للتخطيط في مذكرتها الإخبارية الأخيرة حول وضعية سوق الشغل.
وتبرز هذه الفوارق من خلال ثلاثة مؤشرات أساسية، تتعلق بمعدل المشاركة في القوى العاملة، ومعدل الاستخدام غير الكامل لها، ثم معدل البطالة بالمفهوم الضيق، وهي مؤشرات تقدم صورة أكثر شمولاً عن واقع التشغيل، بعيداً عن الاقتصار على نسبة العاطلين عن العمل فقط.
فعلى مستوى المشاركة في القوى العاملة، التي بلغ معدلها الوطني 41,8 في المائة، لم تتمكن سوى أربع جهات من تجاوز هذا المستوى، تتقدمها جهة الداخلة-وادي الذهب بنسبة 64,7 في المائة، تليها الدار البيضاء-سطات بـ47 في المائة، ثم طنجة-تطوان-الحسيمة بـ45,5 في المائة، ومراكش-آسفي بـ42,4 في المائة.
وفي المقابل، سجلت درعة-تافيلالت أدنى معدل للمشاركة في القوى العاملة بنسبة 30,2 في المائة، تليها جهة الشرق بـ35,7 في المائة، ثم سوس-ماسة بـ37,5 في المائة، وكلميم-واد نون بـ38,6 في المائة.
وتكشف هذه الأرقام عن اتساع الفجوة بين الجهات في مستوى الانخراط في سوق الشغل، إذ تتجاوز المشاركة في الداخلة-وادي الذهب ضعف المستوى المسجل في درعة-تافيلالت، بما يبرز التباين في دينامية النشاط الاقتصادي بين المجالات الترابية.
غير أن الصورة تصبح أكثر تعقيداً عند الانتقال إلى مؤشر الاستخدام غير الكامل للقوى العاملة، الذي يعكس جوانب من الاختلالات التي لا تظهر بالضرورة في معدل البطالة التقليدي.
وفي هذا المؤشر، سجلت جهة كلميم-واد نون أعلى معدل بنسبة 38,7 في المائة، متبوعة بجهة الشرق بـ28,3 في المائة، والعيون-الساقية الحمراء بـ27,4 في المائة، وفاس-مكناس بـ25,9 في المائة، ثم درعة-تافيلالت بـ23,6 في المائة.
كما تجاوزت جهة الدار البيضاء-سطات المعدل الوطني البالغ 19,6 في المائة، بعدما سجلت 20,1 في المائة، رغم احتلالها موقعاً متقدماً في مؤشر المشاركة في القوى العاملة.
وعلى الجانب الآخر، سجلت الداخلة-وادي الذهب أدنى معدل للاستخدام غير الكامل بنسبة 9,2 في المائة، تليها الرباط-سلا-القنيطرة بـ15,5 في المائة، ثم بني ملال-خنيفرة بـ16,1 في المائة.
وتكتسي هذه المؤشرات أهمية خاصة لأنها تبرز أن المشاركة في سوق الشغل لا تعني بالضرورة توفر فرص عمل كافية أو ملائمة، وهو ما يظهر بوضوح في حالة بعض الجهات التي تسجل مستويات مرتفعة من النشاط الاقتصادي، لكنها تواجه في المقابل تحديات مرتبطة بالاستخدام غير الكامل للقوى العاملة.
أما بخصوص البطالة بالمفهوم الضيق، فقد كشفت معطيات المندوبية عن تسجيل أعلى المعدلات بجهة كلميم-واد نون بنسبة 17,2 في المائة، تليها درعة-تافيلالت بـ14,7 في المائة، والشرق بـ13,7 في المائة، ثم الدار البيضاء-سطات بـ13 في المائة، مقابل معدل وطني محدد في 10,5 في المائة.
وفي المقابل، سجلت الداخلة-وادي الذهب أدنى معدل للبطالة بنسبة 4,6 في المائة، تليها طنجة-تطوان-الحسيمة بـ6,8 في المائة، وبني ملال-خنيفرة بـ7,6 في المائة، ثم سوس-ماسة بـ8,5 في المائة.
وتبرز المقارنة بين هذه المؤشرات مفارقات تستحق الانتباه؛ فجهة الداخلة-وادي الذهب تجمع بين أعلى معدل للمشاركة في القوى العاملة وأدنى معدلات الاستخدام غير الكامل والبطالة، بينما تسجل كلميم-واد نون أعلى مستوى للبطالة والاستخدام غير الكامل للقوى العاملة، في مقابل مشاركة لا تتجاوز 38,6 في المائة.
كما تطرح وضعية الدار البيضاء-سطات، التي تتصدر الجهات من حيث المشاركة في القوى العاملة بعد الداخلة، تساؤلات بشأن قدرة أكبر الأقطاب الاقتصادية بالمملكة على تحويل النشاط الاقتصادي إلى فرص شغل كافية، خصوصاً أن معدل البطالة بها يبلغ 13 في المائة، ومعدل الاستخدام غير الكامل يصل إلى 20,1 في المائة.
وتؤكد هذه المعطيات أن معالجة إشكالية التشغيل لا يمكن أن تظل محصورة في السياسات العامة لإحداث مناصب الشغل، بل تستدعي أيضاً مراعاة الخصوصيات الاقتصادية والاجتماعية لكل جهة، وتوجيه الاستثمارات والبرامج التنموية نحو المجالات التي تسجل مستويات مرتفعة من البطالة أو ضعفاً في المشاركة الاقتصادية.
كما تضع هذه الفوارق مسألة العدالة المجالية أمام اختبار حقيقي، خصوصاً في ظل الحاجة إلى ربط الاستثمار بالتشغيل، وتعزيز التكوين المهني، وتطوير الأنشطة الاقتصادية المحلية، بما يسمح بتوسيع قاعدة المستفيدين من فرص العمل وتقليص الاختلالات بين الجهات.
وتوفر مؤشرات المندوبية السامية للتخطيط بذلك أرضية مهمة لتقييم السياسات العمومية الموجهة للتشغيل، ومدى قدرتها على الانتقال من الأهداف الوطنية العامة إلى نتائج ملموسة على المستوى الترابي، حتى لا تظل فرص الاندماج في سوق الشغل مرتبطة بالموقع الجغرافي الذي ينتمي إليه المواطن.



