تحول عرض البرنامج الحكومي أمام مجلس النواب، اليوم الخميس، إلى مناسبة لإعلان انتقال التجمع الوطني للأحرار إلى المعارضة، حيث وضع رئيس فريقه ياسين عكاشة الاختيارات المعلنة لحكومة فاطمة الزهراء المنصوري موضع مساءلة، مركزا على الفارق بين شعار «تغيير المسار» الذي رفعه حزب الأصالة والمعاصرة خلال الحملة الانتخابية، وما اعتبره استمراراً لتوجهات الولاية الحكومية السابقة.
وقال عكاشة، في مداخلته خلال مناقشة البرنامج، إن الحكومة الجديدة تواصل مسارا سبق أن انتقدته مكوناتها، مستعملا عبارة «حصان طروادة» لوصف توظيف شعار التغيير في الحملة الانتخابية.
واعتبر أن الانتقال إلى المعارضة لن يمنع حزبه من تحمل مسؤولياته الوطنية، مؤكدا أن فريقه سيعتمد ما سماه «المعارضة المجدية»، القائمة على مراقبة العمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية وتقديم البدائل.
وفي تقييمه للبرنامج، دعا رئيس فريق الأحرار إلى توضيح القيمة المضافة التي ستقدمها الحكومة الجديدة، والاختيارات السياسية التي تميزها عن سابقتها، إلى جانب تحديد مؤشرات دقيقة وآجال زمنية تسمح للبرلمان بتتبع تنفيذ الالتزامات.
وسجل، بحسب قراءته، نقصا في تحديد الأهداف المرحلية والوضعيات المرجعية التي يمكن اعتمادها لقياس التقدم المحقق.
ولم تقتصر انتقاداته على مضمون البرنامج، بل شملت أيضا هندسة الحكومة، التي اعتبر أنها تأثرت بمنطق التوافقات والمحاصصة على حساب وضوح الاختيارات وشروط الكفاءة والنجاعة. كما أثار مسألة تمثيلية النساء، مشيرا إلى أن عدد الوزيرات لا يتجاوز ستا، بنسبة لا تصل إلى 18 في المائة، وفق الأرقام التي قدمها.
وعلى المستوى الاقتصادي، أقر عكاشة بوجود مؤشرات إيجابية سجلتها الولاية السابقة، مستحضرا تراجع التضخم إلى أقل من واحد في المائة، وبلوغ النمو 4,6 في المائة، وانخفاض عجز الميزانية إلى 3 في المائة.
ودعا الحكومة الجديدة إلى المحافظة على هذه المكتسبات، لكنه شدد على أن استمرار الأوراش الكبرى لا يعفيها من تحديد اختياراتها الخاصة وتوضيح كيفية تمويلها وتنفيذها.
وفي هذا السياق، أثار مآل بعض الوعود الانتخابية، متسائلا عن عدم إدراج تعهد خفض الضريبة على الدخل من 37 إلى 20 في المائة، ورفع الحد الأدنى للأجور إلى خمسة آلاف درهم، بالشكل الذي كان منتظرا. كما انتقد ربط رفع الدعم الاجتماعي المباشر إلى ألف درهم بنهاية الولاية سنة 2031، معتبرا أن غياب أهداف مرحلية واضحة يثير أسئلة بشأن آجال التنفيذ.
وامتدت ملاحظات فريق الأحرار إلى التشغيل، إذ سجل عكاشة غياب هدف إحداث مليون منصب شغل صاف وخفض البطالة إلى 7 في المائة في أفق 2031، وفق المقارنة التي عرضها بين الوعود الانتخابية والبرنامج الحكومي.
وانتقد، في المقابل، الاكتفاء ببرامج للتكوين والتجربة المهنية من دون التزام محدد بإحداث فرص شغل صافية، مؤكدا أن التكوين لا يعوض توفير مناصب عمل فعلية ولائقة.
كما أثار المتحدث مسألة تمويل التنمية الترابية، متسائلا عن الضمانات المرتبطة بالتزام رفع التحويلات المالية لفائدة الجهات إلى 12 مليار درهم سنويا ابتداء من سنة 2027. وانتقد عدم تخصيص محور مستقل للجهوية المتقدمة، معتبرا أن إدراجها ضمن محور دولة الحق والقانون والمؤسسات لا يعكس، في نظره، مكانتها في تحقيق التنمية المندمجة والعدالة المجالية. وسجل أيضا غياب تصور متكامل بشأن اللاتمركز الإداري.
وفي مجال تخليق الحياة العامة، رحب عكاشة بالتزامات الحكومة المتعلقة بمحاربة الفساد والريع وتضارب المصالح، ولا سيما تجريم الإثراء غير المشروع، لكنه أشار إلى ما اعتبره تفاوتا بين ما ورد في التصريح الحكومي وما تضمنته وثيقة البرنامج، قائلا إنه لم يجد في الصفحة الثلاثين من الوثيقة التنصيص الذي كان ينتظره بشأن هذه المسألة.
وخصص رئيس الفريق جانبا من مداخلته لقضايا قال إنها لم تحظ بالاهتمام الكافي، من بينها مغاربة العالم، والأشخاص في وضعية إعاقة، والاقتصاد غير المهيكل، واقتصاد الرعاية، والمناطق الجبلية، فضلا عن تدبير الأزمات والكوارث.
واستحضر تحويلات مغاربة العالم التي بلغت، بحسب الأرقام التي أوردها، 122 مليار درهم سنة 2025، داعيا إلى بلورة سياسات تستجيب لمكانة هذه الفئة ودورها الاقتصادي.
كما شدد على أهمية الاستعداد المسبق للأزمات الدولية والطبيعية، من خلال منظومة للوقاية والإنذار المبكر قادرة على التعامل مع مخاطر الزلازل والفيضانات والجفاف واضطرابات سلاسل التوريد، بدل الاقتصار على التدخل بعد وقوعها.
وفي ختام مداخلته، أكد عكاشة أن فريق التجمع الوطني للأحرار سيصوت ضد منح الثقة للحكومة، مستندا إلى ما سجله من ملاحظات بشأن وضوح الاختيارات السياسية، وضمانات تنفيذ الالتزامات، ومدى استيعاب البرنامج للتحولات الاجتماعية والمجالية والدولية.
وشدد على أن موقف حزبه لا ينبع من الرغبة في فشل الحكومة، قائلا: «نحن لا ننتظر فشل الحكومة، بقدر ما نخاف أن يدفع المغاربة ثمن الحكومة».



